تحقيق: الدعم الحكومي لاستيراد المواشي: “الكعمة التي كلفت الدولة 13مليارا درهما؟!.. بالوثائق/ فمن المستفيد؟
فلاش24 – متابعة: محمد عبيد / كاريكاتور: محمد أيت خويا (قلعة مكونة)
مباشرةً بعد إعلان جلالة الملك محمد السادس عن إلغاء ذبح أضحية عيد الأضحى المقبل بسبب الجفاف، تفجّر ملف الدعم الحكومي لعملية استيراد الأبقار والأغنام في المغرب، الذي طبقته الحكومة المغربية سنة 2023 ما دعم القدرة الشرائية للمواطنين.

وقالت الحكومة إنها قدّمت دعمين لمستوردي الحيوانات الحية الموجهة للاستهلاك واللحوم: الأول هو دعم استيراد الأغنام ما ضبط السوق خلال عيد الأضحى، والثاني دعم استيراد الأبقار الحية واللحوم الحمراء لتوفير العرض وخفض الأسعار.
وأكدت وثائق حكومية وأرقام رسمية تقديم الحكومة المغربية دعماً للمستوردين يتجلى في الإعفاء من دفع رسوم الاستيراد، والإعفاء من قيمة الضريبة المضافة، دون أن يؤثر ذلك على الأسعار التي ارتفعت بالتوازي في الأسواق.
ومن خلال الوثائق نفسها، تأكد أن الدعم الحكومي الذي استفاد منه المستوردون فقط لم يشمل الأغنام والأبقار فقط، بل وصل إلى استيراد الجمال وأطنان اللحوم الحمراء، لكن دون أن ينعكس ذلك على استقرار الأسعار في الأسواق، بل على العكس ارتفعت أكثر.
وتحيل قصة الدعم الحكومي لعملية استيراد الحيوانات الحية الموجهة للاستهلاك في المغرب الى مجموعة من التساؤلات، منها:
* كيف ولماذا تفجّرت قضية المستفيدين من الدعم الحكومي؟
* وكم كلف ذلك ميزانية المملكة؟
& بداية القصة:
بدأت قصة الدعم الحكومي في المغرب للحيوانات الحية الموجهة للاستهلاك عندما فجّرها وزير التجهيز والنقل، نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، الذي يشارك في التحالف الحكومي، خلال ليلة رمضانية، والذي كشف استفادة 18 شخصاً من أكثر من 13 مليار درهم (1.3 مليار دولار).
تصريحات الوزير، المشارك في التحالف الحكومي، أغضبت قيادات الحزب الأول في البلاد، التجمع الوطني للأحرار، الذي يترأسه رجل الأعمال الكبير عبد العزيز أخنوش، ويقود الحكومة منذ انتخابات 2022.
وبعد أيام قليلة من تصريحات الوزير بركة، خرج رئيس مجلس النواب والقيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، رشيد الطالبي العلمي، ليكذّب الأرقام التي قدّمها زميله في الحكومة، ويؤكد أن الدعم يتعلق بـ300 مليون درهم (30 مليون دولار) فقط، موجهة لأكثر من 100 مستورد.
وقال الطالبي العلمي إن الشركات التي استفادت من الدعم الحكومي لاستيراد الأغنام والأبقار واللحوم الحمراء خضعت لقانون طلبات العروض، وتم اختيارها بعد استيفاء الشروط، مبعداً شبهات استفادة أسماء مقربة من الحزب من كعكة 13 مليار.
لم تدم تصريحات الطالبي العلمي كثيراً، حتى تبخّرت، وهذه المرة بأرقام رسمية، أعلنها القيادي في حزب العدالة والتنمية المعارض، ووزير الاقتصاد السابق، إدريس الأزمي، والذي قال “إن وثيقة حكومية تؤكد دعم استيراد المواشي بمبلغ 13 مليار درهم إلى حدود أكتوبر 2024.
وقال الوزير إن هذا الرقم مرشح للارتفاع، لأن الدعم سيستمر طيلة سنة 2025، كما أعلنت الحكومة.
هذه المعطيات أكدها نبيل بن عبدالله الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية المعارض، والذي قال إن الوثيقة الرسمية تكذّب الأرقام التي تقدمها الحكومة.
وخلال مناقشة قانون المالية 2025 في أكتوبر 2024، طالبت الفرق البرلمانية من الحكومة تزويدها ببعض المعطيات والأرقام، والتي ردت عليها الحكومة بوثيقة عنوانها: “المعطيات والبيانات المطلوبة من طرف الفرق والمجموعة النيابية بمجلس النواب في إطار مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2025”.
وفي تصريح صحفي، اكد إدريس الأزمي وزير الاقتصاد السابق، على أن مبلغ 13 مليار درهم هو رقم رسمي قدّمته وزارة الاقتصاد والمالية للبرلمان على هامش مناقشة قانون الموازنة 2025.
& كيف بدأ الدعم؟
حسب الوثيقة الحكومية التي تحدث عنها وزير الاقتصاد السابق إدريس الأزمي، والمعنونة بـ”المعطيات والبيانات المطلوبة من طرف الفرق والمجموعة النيابية بمجلس النواب في إطار مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2025″، فإن الحكومة قررت لأول مرة استيراد الأغنام والأبقار واللحوم الحمراء في 21 أكتوبر 2022.
ومن خلال هذا الدعم، قررت الحكومة المغربية إلغاء رسوم الاستيراد وتحمل الضريبة على القيمة المضافة بالنسبة إلى الأبقار والأغنام معاً، واستمر هذا الدعم، حسب الوثيقة الحكومية إلى غاية أكتوبر 2024.
وتفيد الوثيقة أن الحكومة استوردت ما قيمته نحو 3.6 مليار درهم من الأبقار، كلفتها 7.3 مليار درهم كرسوم استيراد، و744 مليون درهم كضريبة على القيمة المضافة، أي ما مجموعه نحو 8 مليارات درهم تحملتها خزينة الدولة في ثلاث سنوات.
أما بخصوص الأغنام، فقد تم استيراد ما مجموعه 1.9 مليار درهما، تحملت فيه الحكومة ما قيمته 3.8 مليار درهما كرسوم استيراد، بالإضافة إلى 1.1 مليار درهما تحمّلت الميزانية للضريبة على القيمة المضافة خلال 3 سنوات، أي ما مجموعه 5 مليارات درهما.
ومن خلال هذه الأرقام الرسمية، يمكننا الاستخلاص أن الدولة دعمت، في الفترة الممتدة بين 2022 إلى 2024، استيراد الأبقار الأليفة والأغنام الأليفة بمبلغ إجمالي مباشر يُقدَّر بأكثر من 13 مليار درهما.
بالإضافة إلى ذلك، قدّمت الحكومة دعماً قيمته 500 درهما على ما يقارب 875,000 رأس من الأغنام تم استيرادها بين سنتي 2023 و2024، بتكلفة إجمالية بلغت 437 مليون درهما (43.7 مليون دولار).
& توضيحات الحكومة.. ماذا عن استيراد الأبقار؟
أصدرت الحكومة بلاغاً توضيحياً تقول فيه إنها خصصت دعماً بقيمة 437 مليون درهما لاستيراد الأغنام الموجهة لعيد الأضحى خلال سنتي 2023 و2024، في إطار إجراءات استثنائية لتحقيق وفرة في العرض واستقرار الأسعار.
وبالإضافة إلى تعليق الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة على استيراد الأغنام، تقول الحكومة إنها أضافت دعماً مالياً استثنائياً بقيمة 500 درهما لكل رأس من الأغنام المستوردة، وهو الإجراء الذي امتد لسنتي 2023 و2024.
وبلغت التكلفة الإجمالية لعملية دعم استيراد الأغنام، حسب بيان الحكومة، ما مجموعه 437 مليون درهما، منها 193 مليون درهما سنة 2023، و244 مليون درهما سنة 2024.
وأسفرت هذه العملية، حسب بيان للحكومة، عن استيراد ما يقارب 875,000 رأس من الأغنام، موزعة على 386,000 رأس في 2023 و489,000 رأس خلال 2024، استفاد منها مستوردون مستوفون للشروط.
وحسب المصدر نفسه، بلغ عدد المستوردين المنخرطين في هذه العملية 156 مستورداً، منهم 61 سنة 2023، و95 مستورداً سنة 2024.
وأكدت الوزارة أن عملية استيراد الماشية ما زالت مفتوحة، مع استمرار العمل بتعليق الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة.
وفي الوثيقة الرسمية التي قُدّمت للبرلمان، قالت الحكومة إنها خصصت مبلغ 5.3 ملايين درهما لاستيراد رؤوس الأغنام في الفترة ما بين فبراير 2023 وأكتوبر 2024، كخسارة من مداخيل رسوم الاستيراد وتحمل الدولة للضريبة على القيمة المضافة عند استيراد الأغنام.
وبالتالي، تكون الحكومة قد قدمت رقمين مختلفين عن استيراد الأغنام، الأول في الوثيقة التي قدمتها للجنة المالية لتفسير بعض الأرقام والمعطيات، والثاني في بلاغ رسمي صدر عشية الثاني من مارس 2025.
ولتفسير هذا التباين في الأرقام، قال إدريس الأزمي، وزير الاقتصاد في الحكومة السابقة، إن البيان الحكومي تجاهل الدعم الذي قدمته الدولة على شكل إعفاء من رسوم الاستيراد والضريبة على القيمة المضافة على كل من الأغنام والأبقار والجمال، وركّز على الدعم المادي المتجلي في 500 درهما (50 دولاراً) على كل رأس غنم فقط.
أيضاً، في بيانها التوضيحي، فسّرت الحكومة تفاصيل عملية استيراد الأغنام الموجهة لدعم السوق في عيد الأضحى فقط، دون الدخول في تفاصيل عملية استيراد الأبقار واللحوم الحمراء والجمال الموجهة للاستهلاك اليومي.
رغم أن الوثيقة الرسمية التي قدّمتها الحكومة نفسها خلال مناقشة قانون المالية 2025 في أكتوبر 2024، تؤكد تخصيص 8 مليارات درهما ما بين أكتوبر 2022 وأكتوبر 2024 لاستيراد الأبقار.
وفي الوثيقة نفسها، أكدت أن المبلغ المخصص لاستيراد الأبقار يُعتبر خسارة من مداخيل رسوم الاستيراد وتحمل الدولة للضريبة على القيمة المضافة عند استيراد الأبقار.
هذه الأرقام مرشحة للارتفاع، لأن الدعم الحكومي لاستيراد الأغنام والأبقار لا يزال مستمراً، حسب ما أعلنته الحكومة، وأكدته كذلك أرقام مكتب الصرف خلال نشرة فبراير 2025، والتي تؤكد ارتفاع نسبة استيراد الحيوانات الحية بـ796% مقارنة بنفس الشهر من السنة الماضية.
تعليقاً على هذه الأرقام، اوضح وزير الاقتصاد السابق إدريس الأزمي بأن الحكومة تحاول التهوين من الدعم الذي قدمته، والذي حرم خزينة الدولة من أكثر من 13 مليارا درهما، وهو مبلغ كبير جداً، والأكثر من ذلك أن المستفيد الوحيد هو المستورد، وليس المواطن.
وقال الأزمي إن المستوردين كانوا سيستوردون المواشي في كل الأحوال، وسيدفعون الرسوم لخزينة الدولة، لأن السوق الوطنية في حاجة ماسة إلى المواشي بسبب تراجع القطيع، وهذا باعتراف وزارة الفلاحة، وما يؤكده إلغاء شعيرة ذبح الأكباش في عيد الأضحى المقبل.
وأضاف ذات المتحدث أن المستورد حصل على دعم حكومي لجلب الأبقار والأغنام من خارج المغرب، فلم يدفع رسوم الاستيراد ولا الضريبة على القيمة المضافة، وكان يُنتظر أن يتراجع سعر أضاحي العيد وسعر اللحوم الحمراء.
وحسب نفس المصدر، فإن العكس هو ما حصل، فأسعار اللحوم الحمراء قفزت من 60 و65 درهماً (6 دولارات) إلى 120 درهماً (12 دولاراً)، أي الضعف، وأسعار أضاحي العيد تضاعفت في السنتين الأخيرتين، الأمر الذي يؤكد أن المستفيد الوحيد هم المستوردون وليس المواطن العادي.
وأشار الأزمي إلى أن مقارنة الحكومة للدعم المقدم للمواشي الموجهة للاستهلاك مع دعم القمح لا يستقيم، كون هذا الأخير تدعمه الحكومات المتعاقبة وليس لأول مرة، والحكومة نفسها تتحكم في أسعار القمح في الأسواق، وفي الأخير يكون المستفيد هو المواطن وليس المستورد.
وفي السياق ذاته، كشف وزير الاقتصاد في الحكومة المغربية السابقة، إدريس الأزمي، أن هناك عمليات تحايل قام بها المستوردون للاستفادة من الدعم الحكومي المقدم لهم.
وقال المتحدث إن المعطيات المتوفرة تشير إلى أن هذا الدعم استفاد منه بالأساس 18 شخصاً ينتمون إلى الحزب الذي يقود الحكومة، وهو ما أثار حفيظة باقي مكونات أحزاب الأغلبية.
معطى آخر، أكثر خطورة، كشف عنه الأزمي، هو قيام بعض المستوردين بتربية الأغنام في إسبانيا، ثم الاستيراد من عند أنفسهم، وبالتالي الاستفادة مرتين، وذلك بعدما بلغهم أن الإسبان قرروا رفع الأسعار حينما علموا بدعم الدولة لاستيراد الأضاحي.