كيف نحمي هذا الوطن؟

0 553

 

ذ. بوناصر المصطفى

باتت في الآونة الأخيرة جدران صفحات المواقع الإعلامية وصفحات التواصل الاجتماعي أو ما يسمى بالإعلام البديل، تجتر وتتناوب على نشر فساد استشرى بشكل مفضوح، حيث طغيان ملفات فساد بشكل غير مسبوق فطفت على واجهة دولة تعتبر دولة المؤسسات، فقد جاء تقرير الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة تقريرا أسود قاتم حسب تعبير الهيئة عمّ الفساد البر والبحر في البلاد بتكلفة ثقيلة للمغرب أكثر من 50 مليار درهم سنويًا ولم يحقق المؤشرات المنتظرة.
صار الفساد عنوان مرحلة أصبح فيها المواطن يلوك في ملفات صباح مساء حتى درجة التطبيع مع قيم وسلوكيات كانت و لاتزال منبوذة أخلاقيا واجتماعيا وفكريا، هذا طبعا في غياب شبه تام للوظيفة الرقابية لجيش من المجتمع المدني المعطوب والمغيب من أجندات أخنوش، سواء منه المهيكل في شكل مجالس كمجلس المنافسة، المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أو هيئات شبه عمومية مجلس محاربة الرشوة أومن اختار لنفسه الهامش برغبة صريحة.
ففي الوقت الذي تلكئت المؤسسة السياسية من مسؤوليتها لم نعد ننتظر من الإعلام الرسمي أو جنود من صناع المحتوى التعامل باحترافية ومهنية مع هذه القضايا، إذ أدخلت المؤسسة الوصية على قطاع الصحافة والإعلام في حالة شذوذ قانونية هيكلية، أففدته قدسيته كسلطة، وطبيعته كمؤسسة مستقلة لتسقط هذه الأخيرة رهينة أدوار تجارية وتقديم خدمات تحت الطلب، بعيدا عن أية معالجة مهنية وعمق مطلوبين؟
أي شرود يا ترى تعيشه مؤسسات الدولة؟
هل هو فعلا تداخل النفوذ المالي والسلطة تمهيدا لدخول الدولة في حالة أكلينيكية؟
أم رفض تجنب تصادم سلط معنوية ورمزية؟
أو هي حالة للتعامل باحتياط مع متورطين من طينة مختارة من أهل السلطة والنفوذ؟ والدين سقطوا في دائرة حاميها حراميها.
في وقت انقسم الإعلام إلى أشطر، تلة قليلة بقيت على ارتباط وثيق مع واقع مرير مستفز تعري مواضيعه المقلقة، تلامس قضايا القرب، وأخرى تلونت بالمكر والخداع، فأخذت في المجمل على عاتقها تزوير الحقائق والإشادة بمنجزات وهمية تحاول إقناع المواطن بتقارير مصوغة على المقاس، وبخطابات خشبية تنفر المتلقي كي تصنع من البعض كائن انتهازي.
لم يكن هذا الوضع المزري إلا ليفرض علينا الاستنفار وليس مجرد التحذير من انعكاسات هذا التدني اللا أخلاقي و اللا مسؤول عن قيم المواطنة، بل النبش لإثارة قضايا وعناوين أخدت حيزا هاما من انشغالات المواطن اليومية، قصد المعالجة أو الاستئصال، إذ لا يخلو أي يوم من خبر منشور لقضية اختلاس، تبذير مال عام أو احتلال ملك عام، ابتزاز وردع الصحافة، أو تضلع في رشاوي أو سمسرة؟
هل أصبحنا غرباء في وطننا! فكيف نحمي هدا الوطن؟
من هنا تصبح المسائلة شرط وتفعيل كل آليات الرقابة والردع القديمة، كالنيابة العامة، مع إعادة الاعتبار للصحافة والإعلام، وتقوية وضع المجتمع المدني، أو المستحدثة أخيرا كالمجلس الأعلى للحسابات، قصد التصدي لهذا الوباء اللعين، لكون القانون يخول لها إمكانية تحريك الدعوى العمومية بناء على شبهة، هدا دون إغفال دور بعض الفاعلين السياسيين والمجتمع المدني النزيه في التحريض على مساءلة آليات الرقابة الأخرى للتصدي لهذا الوباء.
هكذا فاضت تقارير المجلس الأعلى للحسابات بملفات الفساد لدرجة أن الآفة أضحت مغرية في مؤسسات لها حرمتها، مؤسسات احترفت المتاجرة بالإعلام، واقترانها بتهم الابتزاز والقضاء وارتباطها بالسمسرة والرشوة وإفشاء السر المهني.
إن ضعف رقابة الضمير المهني والمراقبة على المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، يسمح لتوسيع دائرة الفساد في هذه المؤسسات وقد تساهم الضغوط الاجتماعية والسياسية في ارتفاع منسوب هذا الفيروس في جل المؤسسات، مما يكون له تأثير على قراراتها ونزاهتها، وبالتالي يتحول الفساد وسيلة للاغتناء على حساب الوطن.
لقد ساحت مسحة تنميط وتقبل الفساد في الدوائر الحكومية وسوقت انتشاره، في مقابل صيحات شاذة تركز على ترسيخ النزاهة والشفافية بالتعليم والتثقيف ولا تلقى أي صدى، ليركن الدور الوازن للمتعلم والمثقف فقط ديكورا تؤثث به واجهة الدولة الديمقراطية دون أي تصريف لقيم عادلة لدى الساكنة.
إن الفقر والحاجة إلى الكسب لا يبرر البحث عن أي وسائل غير مشروعة لتحقيقه، بسلوكيات هدامة مثل الفساد أو استغلال الآخرين، كما أن غياب أليات المسائلة والرقابة تنعش ظاهرة استغلال النفوذ والسلطة لتحقيق امتيازات شخصية، بحيث يساهما في تفشي الرشوة والفساد وبالتالي يتفكك النسيج الاجتماعي، وتفقد القيم الأخلاقية اعتبارها، فتنحصر العدالة في التداول الإعلامي فقط، لتؤثر هذه المؤشرات سلباً على المجتمع ككل، وتعرقل تنميته.
حاجتنا قبل أي إجراء إلي إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة كي يستعيد المواطن ثقته، والتقدير الواجب لمؤسسات شفافة، تضع المواطن في نصب أعينها، وتكون لها الإمكانيات البشرية واللوجستية الفعالة لمراقبة الجهات الحكومية كأفراد وجماعات لمواقع السلطة، لا شك أن الحاجة تبقى ملحة لإصلاحات هيكلية شاملة تتضمن تعزيز القانون، توفير فرص اقتصادية، ودعم المؤسسات المدنية التي تعمل على تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد فالإصلاح والتغيير يقتضي الانطلاق من أعلى الدرج لتوازيه وثوق بنشر القيم الأخلاقية وبناء مجتمع أكثر عدالة.
لقد باتت هذه القضايا المعقدة أكثر إلحاحا من ذي قبل، وتتطلب معالجة شاملة وتعاون بين جميع فئات المجتمع لإعادة الثقة في المستقبل، إذ لا يمكن أن يكون الفقر والوصولية وسائل تبرر البحث عن أية سبل لتحقيق المال على حساب ضرب القيم واستغلال الإنسان، فتلك قمة الدناءة لأن السلطة والنفوذ ليست مراكز لتفريخ الآفات الاجتماعية بتكريس حرف الوساطة والرشوة.
أن قضية الفساد بات بكل وضوح أزمة حقيقية متعمدة عن سبق إصرار بسحب تجريم الإثراء غير المشروع من مشروع القانون الجنائي ومنع الجمعيات من التبليغ عن الفساد، مع منع النيابة العامة من التحقيق في شكايات المال العام لتأخذ فعلا شكل قيم النزاهة والشفافية بترسخ من جهات نافذة تطوع القوانين حسب أغراضها وتعطي نفسها السلطة المطلقة في تعيين وزارات ورؤساء مؤسسات من محيطها الخاص، في غياب تحديد للمسؤوليات والحسم فيها بدون رحمة أو تبرير بصفتها جرائم متعمدة وتفعيل المسؤولية بالمحاسبة.
كثيرة هي الدول التي عانت من الجائحة لكنها نجحت في استئصال وباء الفساد بإرادة، اذ تربعت كل من دولة الدنمارك، فنلندا، سنغافورة على عرش الدول الأكثر نزاهة في العالم، في تصنيف الشفافية الدولية وتعود نجاح هذه الدول في الحد من الفساد إلى تبني لمبادئ الحكم الرشيد والشفافية في الإدارة، وتطبيقها لنظام قانوني صارم لمكافحة الفساد.
كما احتلت نيوزيلندا المرتبة الأولى في تصنيف مؤشر الحرية الاقتصادية كواحدة من الدول الأكثر شفافية ونزاهة في العالم، حيث تطبق نظاماً قانونياً صارماً لمكافحة الفساد وتتميز السويد بتطبيق لنظام حكم ديمقراطي فعال وشفاف، وتبني مبادئ النزاهة والشفافية في الإدارة الحكومية لتحتل المرتبة الأولى في تصنيف مؤشر الديمقراطية العالمي وتصبح نموذج يحتذى في الديمقراطية واحترام آلإنسان.
لكن الأكيد أننا لم يعد لنا الحق في هذه المقارنات مادام السيد اخنوش قد ضرب عرض الحائط كل توصيات الأمم المتحدة لمحاربة الفساد باستهداف وتعطيل تلك الأليات الأربعة:
الحق في الوصول إلى المعلومة، حرية الإعلام وصحافة التقصي، دعم المجتمع المدني وتشجيع التبليغ عن الفساد، تطوير العدالة واستقلال القضاء.

#أي إرادة حقيقية لمشروع للدولة الوطنية؟
#فهل من سبيل لتعزيز دور المؤسسات المدنية في مكافحة الفساد؟
#ما هي الإصلاحات القانونية اللازمة لوقف نزيف الفساد؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.