هل فعلا افتقدت الصحافة للمصداقية وخانت المهنية الأخلاقية؟

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

 

 

ذ. بوناصر المصطفى

 

إن أهم ما ميز الصحفي منذ أن اختار هذه المهمة الوظيفة تلك الجهود المضنية في تقديم تقارير ومقالات صحفية ذات جودة ولمسة موضوعية، وذلك من خلال القيام بالأبحاث وجمع المعلومات والتحقق من صحتها، وتحليل الأحداث وتوثيقها بطريقة تلامس الاتزان والموضوعية.

فمهارات الصحفي تنطوي على القدرة على توجيه أسئلة نافذة إلى العمق، وإجراء مقابلات بمهنية عالية وبقدرة تحليلية تنفذ إلى تفاصيل الأمور، لتيسير فهم القضايا المعقدة وتوضيحها بطريقة سلسة قريبة من ذهن الجمهور.

كما أن صفات النزاهة والأمانة المهنية، هي التزام تلقائي بمعايير الأخلاق الصحفية ومبادئ الصحافة الدقيقة المسؤولة اتجاه المعلومات الحساسة.

لهذه الشروط جميعها يصبح هذا الكائن بالقوة ركيزة أساسية في الحفاظ على دور الصحافة كمصدر للمعلومات الموثوقة والضمير اليقظ للكشف عن الفساد والظلم، وتعزيز الحوار والوعي العامين.

– لماذا ساد في الآونة الأخيرة حالات من التشويش على الحرفة وتوزيع اتهامات على الفاعل بالتقصير وفقدان المصداقية؟

– هل هذه القيم والمعايير النبيلة للسلطة الرابعة تسير نحو انقراض؟

من المهم أن نفهم أن الصحافة هي حرفة قبل أن تكون مهنة متاعب، بالتالي فالمنتوج الصحفي يختلف باختلاف الممارس، فكثيرا ما يتداول أن الصحافة فقدت مصداقيتها وخانت وظيفتها ومهنتيها الأخلاقية؟

لكن الحقيقة أن الصحافة ليست كيانًا موحدًا بل مجموعة من المؤسسات الإعلامية والصحفية تمارس في المجال، وبالتالي فالاستثناء لا يلغي القاعدة، العديد من الصحفيين والمنظمات الإعلامية تراعي عن قناعة مبدإ الالتزام بمعايير الأخلاق وتسعى لتقديم محتوى موثوق وموضوعي.

إلا أن بعض الأمثلة الشاذة على انتهاك المهنية وفقدان المصداقية في بعض الحالات هي في الحقيقة تعكس سوء سلوك الصحفي ودليل على براءة الفضاء الصحفي.

صحيح أن الصحافة عانت وتعاني تحديات عديدة مند ظهور وتطور وسائل الإعلام البديلة، والمنافسة اللا متكافئة من قبل الصحافة الرقمية، فهذه التحديات قد أثرت على صناعة الصحافة التقليدية، وشكلت تحولات في أساليب وآليات توصيل المحتوى الإخباري والمعلومات إلى الجمهور.

فظهور الإعلانات الرقمية والتحول العام نحو الوسائط الرقمية، دفع بالشركات الإعلانية إلى خيارات أكثر للإعلان عن منتجاتها وخدماتها بطرق مغرية، مما أدى إلى انخفاض في إيرادات الإعلانات التقليدية للصحف والمجلات ووسائل الإعلام التلفزيونية.

كما أن زيادة انتشار الإنترنت والهواتف الذكية، حول الجمهور الى مستهلك مباشر للأخبار والمعلومات عبر الوسائط الرقمية، أما بتطبيقات الأخبار، مواقع الإلكترونية، أو شبكات التواصل الاجتماعي كوجهة أساسية، فكان لتوسع نشاط هذه الوسائط الاجتماعية والمنصات الرقمية، أحد الأسباب في نشر الأخبار الكاذبة والشائعات، وهدا ما انعكس على مصداقية الصحافة، وجعل من الصعب على الجمهور التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة.

أكيد في السابق كان الجمهور يعتبر الصحافة التقليدية مصدره الرئيسي للأخبار، وكان التفاعل معها بشكل غير مباشر، إلا أن ظهور هده الوسائل البديلة في التواصل الاجتماعي، كان لها الدور الكبير في توسيع دائرة التفاعل ومشاركة المتلقي للخبر بشكل مباشر، فصار المجال مفتوح على مصراعيه لصناعة المحتوى دون وسيط أو رقيب.

من الطبيعي لم تقف بعض وسائل الإعلام التقليدية مكتوفة الأيدي أمام هذا الوضع بل حاولت تكييف مؤسساتها مع التغيرات التكنولوجية السريعة وتطوير منصات وأدوات جديدة لتوصيل المحتوى رغم ما يتطلبه هذا من استثمارات مالية وتأهيل وتأطير العاملين في الصحافة.

فبالرغم من تحديات وسائل الإعلام البديلة التي تقدم محتوى متنوع واقبال وتفاعلية أكبر، واكراهات مادية ولوجستية، فإن الصحافة التقليدية لا تزال تحتفظ بالصورة المثلى في القيم الأخلاقية والمهنية والتميز في المنتوج الصحفي بالتحقق من الأخبار الواردة بالبحث والتقصي والتحليل العميق والتغطية الشاملة للأحداث وتقديم تحقيقات استقصائية وتقارير بحرفية مشهودة لها بها، قناعة منها بان أي نشر أخبار غير مؤكدة دون التحقق من صحتها مؤشر سلبي يمس بمصداقية الصحافة ككل ويخدش سمعتها.

إن أهم ما ساهم في هذا الوضع المزرى في القطاع الصحفي والإعلامي، والهجمة الشرسة على المشهد الصحفي هو غياب أي رؤية استراتيجية للوزارة الوصية على القطاع بل الأدهى من هذا هو تكريس الوضع بارتجال السياسات وأحيانا انتهاكات صارخة بترك الساحة تخوض معارك مجانية فارغة المجال في غنى عنها، تحول معه المجال الصحفي والإعلامي الى فضاء تغيب عنه الرقابة، فانتشرت الفوضى بانتهاك مبادئ النزاهة والابتزاز، انتهاك الخصوصية والأعراض مقابل رشوة أو ضغوط سياسية تحيز سياسي أو انحياز شخصي.

لذلك لم تعد بعض الفضاءات الصحفية والإعلامية تعنى بالإبداع والمصداقية وصناعة المحتوى الجيد، أكثر من اهتمامها بالاستمرار في التواجد على الساحة واستقطاب التفاعلات.

ليس مبررا الاستمرار في تعزيز هذه الانتهاكات بتصدير منتوج فاقد للمهنية بدعوى الضغوطات وقلة التكاليف مادام الأصل هو الالتزام بأعلى معايير الممارسة الصحفية الأخلاقية.

فالضرورة تقتضي في توفر محتوى جيد وذو مصداقية بتوفير شروط:

– بنية محكمة من الصحافيين والمحررين في مختلف الأجناس الصحفية، وتجاوز إعطاء الأولوية للأخبار السريعة والسطحية على حساب التحليل المفصل للمحتوى

– تجنب الاعتماد على أجراء فاقدين للمصداقية والمهارة والخبرة في المجال

– اعتماد الحرية والاستقلالية للصحافيين والإعلاميين، حتى تتمكن من توفير عنصر التمييز والتنوع كمطلب يلبي رغبة المتلقي

 

#هل الصحافة فعلا في حاجة إلى طلب حق اللجوء نظرا للاضطهاد والتشوهات التي يعاني منها القطاع؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.