بقلم: بلال شكلال
ذاكرة وجدة الجريحة والمضيئة: توقيع كتاب الأستاذة سليمة فراجي يوثق تاريخ النضال، الهوية، و”جزاء سنمار”
في صرح ثقافي وتاريخي بارز، وقعت المحامية والبرلمانية السابقة الأستاذة سليمة فراجي كتابها الجديد «الذاكرة الجريحة بين الضلال والنور والصمود»، وهو مؤلف ضخم يفتح خزائن الذاكرة الوجدية ليؤرخ لمحطات مفصلية من تاريخ مدينة وجدة والجهة الشرقية، جامعاً بين قسوة التهميش وشموخ النضال وعراقة الهوية.
ثورة 16 أغسطس والروابط التاريخية مع الجزائر
يوثق الإصدار جانباً بالغ الأهمية من تاريخ وجدة الحدودي؛ حيث يستحضر تفاصيل ثورة 16 أغسطس 1953، وطبيعة العلاقات الوثيقة بين المغرب والجزائر ما قبل سنة 1962. ويتضمن الكتاب شهادات حية لعائلات وجدية استقبلت بحفاوة مناضلي وأعضاء جيش التحرير الجزائري، إلى جانب وثائق نادرة لأشخاص عايشوا فترة الاستعمار وسجون الاحتلال نصرة لقضية الاستقلال، تفعيلاً لموقف المغفور له الملك محمد الخامس الذي طالما أكد أن استقلال المغرب لا يكتمل إلا باستقلال الجزائر.
«جزاء سنمار» وطرد مغاربة 1975
ولا يغفل الكتاب الجانب المؤلم من تاريخ المدينة؛ إذ يسلط الضوء على فاجعة طرد المغاربة يوم عيد الأضحى عام 1975 وتجريدهم القسري من ممتلكاتهم، في كارثة إنسانية هزت وجدان الساكنة واعتبرت بمثابة «جزاء سنمار» لمدينة حدودية ناضلت باستماتة. وتشير الأستاذة سليمة فراجي إلى أن وجدة ظلت تعاني لسنوات طويلة من التهميش ومعاملتها كمنطقة تأديب قبل سنة 1999، لتدخل بعدها مرحلة التحول الكبرى بفضل الأوراش التنموية التي دشنها الخطاب الملكي السامي في 18 مارس 2003، والتي أثمرت إنجاز الطريق السيار، وكلية الطب، والمستشفى الجامعي، والقطب التكنولوجي.
وجدة: مدينة الأوائل والريادة التاريخية
يبرز الكتاب وجدة بصفتها «مدينة الأوائل بامتياز»؛ فهي حاضنة أول خط سقطوي للقطار، وأول محافظة عقارية، وأول هيئة للمحامين (1924)، والمحكمة العصرية (1913)، ومدرسة سيدي زيان (1907)، وثانوية عمر بن عبد العزيز، وحديقة لالة عائشة (1934)، فضلاً عن توثيق الشيك الملكي السامي الذي منحته المؤسسة الملكية سنة 2003 لبناء أول ملعب للقرب بالمدينة لتعمم التجربة وطنياً.
وفي خطوة لتعميم المعرفة وربط أجيال المهجر بجذورهم، صُمم الكتاب ليصدر باللغات العربية، الفرنسية، والإنجليزية، إيماناً بالقاعدة الخالدة: «من لا تاريخ له.. لا مستقبل له».
التراث، الرياضة، وأعلام الجهة الشرقية
بأسلوب أدبي رفيع، ترافع الكاتبة عن التراث الوجدي الأصيل؛ متطرفة إلى تفاصيل المطبخ المحلي (كالكسكس والحريرة)، وزي «البلوزة» العريق، وطقوس الحمام وجهاز العروس، وصناعة الزرابي (كزربية 1944)، مع تطلع طموح لإنشاء متحف بالمدينة.
وعلى الصعيد الرياضي، يستحضر الكتاب تأسيس نادي «مولودية وجدة» (MCO) سنة 1946، وتتويجه التاريخي بأول كأس للعرش سنة 1957 وأربعة كؤوس أخرى سلمها بيديه جلالة الملك محمد الخامس، إلى جانب توثيق مسار الاتحاد الإسلامي الوجدي ورياضات الركبي والملاكمة وركوب الدراجات، وبصمات أعلام الرياضة بالجهة كسي بنعزي وجانيك. أما فنياً، فوقف الكتاب عند شموخ الموسيقى الغرناطية والأندلسية وفن الراي.
وقد كتب مقدمة الكتاب الدكتور المرابط العربي (عميد كلية الحقوق سابقاً وعضو الأكاديمية الملكية)، متضمناً شهادات لشخصيات وازنة مثل الأستاذ بدر المقري، وسي بنحمزة، وسي ناصر، والبروفيسور انتصار حدية، فضلاً عن الاحتفاء بشخصيات شرفت المنطقة الشرقية كالمرحوم مزيان بلفقيه وسي أحمد عثمان، وختاماً بتوجيه تحية خاصّة للشاعرة الكبيرة سميرة فرجي («سيدة الشعر العربي») لقاء دعمها الوازنة ومرافقتها لهذا المشروع التاريخي الكبير.