بقلم: محمد العربي القباج
لم تكن وضعية المتقاعدين وكبار السن غائبة عن الخطاب الانتخابي للأحزاب السياسية خلال استحقاقات شتنبر 2026. فقد حضرت الوعود بتحسين القدرة الشرائية، والرفع من الحد الأدنى للمعاشات، وإنصاف الأرامل، وإصلاح منظومة التقاعد، ضمن الالتزامات التي قدمتها الأحزاب للمواطنين. غير أن تقديم وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، فوزي لقجع، مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام مجلسي البرلمان يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، يتيح الانتقال من مرحلة الوعود إلى مرحلة مساءلة مدى ترجمتها إلى إجراءات قابلة للتنفيذ.
فالمسألة ليست إنكار أهمية التدابير الاجتماعية التي تضمنها العرض الحكومي، ولا التقليل من شأن المجهود المالي المعلن، وإنما التساؤل عن مدى تطابق ما قُدم للناخبين مع ما برمجته الحكومة فعلياً، وعن موقع الإصلاحات التي يطالب بها المنتدى المغربي للمتقاعدين ضمن هذه الاختيارات.
أولاً: وعد 3000 درهم، ولكن متى؟ من أبرز الوعود التي استقطبت اهتمام المتقاعدين ما أعلنه حزب الأصالة والمعاصرة في برنامجه الانتخابي، والمتعلق برفع الحد الأدنى للمعاش إلى 3000 درهم شهرياً ابتداءً من السنة الثانية للولاية الحكومية، مع شمول مختلف أنظمة التقاعد.
لكن العرض المفصل لمشروع قانون المالية لسنة 2027 قدم مساراً زمنياً مختلفاً: رفع الحد الأدنى للمعاش الرئيسي إلى 1700 درهم ابتداءً من سنة 2027، على أن يصل إلى 3000 درهم في أفق سنة 2031.
وهنا تكمن إحدى النقاط الأساسية في المقارنة. فالوعد الانتخابي حدد بلوغ 3000 درهم ابتداءً من السنة الثانية للولاية، بينما جعل العرض المالي بلوغ هذا الهدف في أفق 2031. وبالتالي، فإن الفارق لا يتعلق بالمبلغ النهائي المعلن فقط، وإنما أيضاً بأجل تحقيقه. وقد خصص العرض غلافاً مالياً قدره 3.3 مليارات درهم، مع تقدير عدد المستفيدين بنحو 500 ألف متقاعد. وهي معطيات مالية مهمة، لكنها تستدعي توضيحاً بشأن الفئات والأنظمة المعنية، وشروط الاستفادة، وكيفية توزيع الزيادة على مراحل التنفيذ.
ومن حق المتقاعدين أن يتساءلوا: هل سيظل مبلغ 3000 درهم هدفاً مؤجلاً إلى نهاية الولاية، أم ستتم مراجعته وفق الالتزام الانتخابي الأصلي؟ وما التدابير التي ستضمن استفادة المعنيين فعلياً من هذا الحد الأدنى؟
إن الفرق بين الوعد والبرمجة ليس مسألة شكلية؛ فالزمن بالنسبة إلى المتقاعد الذي يواجه تكاليف المعيشة والعلاج ليس تفصيلاً يمكن تأجيله دون أثر اجتماعي.
تضمن العرض المالي رفع معاش الأرملة إلى 100% من معاش الزوج المتوفى، عوض 50% المعمول بها حالياً، مع تخصيص غلاف مالي معلن قدره 7.3 مليارات درهم، واستهداف نحو 431 ألف أرملة.
ويمثل هذا الإجراء استجابة لمطلب اجتماعي مهم، كما يلتقي مع الوعد الانتخابي الذي أعلنه حزب الأصالة والمعاصرة في هذا المجال. غير أن المطلوب هو الانتقال من الإعلان إلى التنفيذ الفعلي، من خلال تحديد شروط الاستفادة، والفئات المشمولة، وآجال صرف المستحقات، وضمان عدم بقاء أي فئة مستحقة خارج التغطية بسبب اختلاف أنظمة التقاعد أو تعقيد المساطر.
كما أن إنصاف الأرامل ينبغي ألا يتوقف عند نسبة المعاش، بل يجب أن يشمل مراجعة المقتضيات التي قد تؤدي إلى فقدان الحماية الاجتماعية، ولا سيما الحالات المرتبطة بالزواج من جديد، وفق مقاربة تضمن الكرامة والاستمرارية في الحماية.
إن المقارنة الموضوعية لا تكتمل بالوقوف عند مبلغ المعاش أو نسبة معاش الأرملة، بل تقتضي الرجوع إلى البرامج الانتخابية للأحزاب المشاركة في الأغلبية، ومقارنة كل التزام بما يقابله في العرض المالي.
فقد قدمت الأحزاب وعوداً تتعلق بتحسين معاشات المتقاعدين، وحماية القدرة الشرائية، وإصلاح أنظمة التقاعد، والرفع من مستوى الخدمات الاجتماعية. لكن العرض المالي، وإن تضمن تدابير محددة في بعض المجالات، لا يكفي وحده لإثبات تنفيذ جميع هذه الوعود.
وتبرز هنا ضرورة التمييز بين ثلاثة مستويات:
الالتزام الانتخابي: ما تعهد الحزب بتحقيقه أمام الناخبين، بمبلغ محدد أو بنسبة أو بأجل معين.
البرمجة الحكومية: ما أدرجته الحكومة في مشروع قانون المالية، من اعتمادات وأهداف وآجال.
التنفيذ الفعلي: ما سيصل إلى المستفيدين بعد المصادقة على الإجراءات واستكمال النصوص والمساطر اللازمة.
وبهذا المعيار، فإن الإعلان عن غلاف مالي أو هدف اجتماعي لا يعادل بالضرورة الوفاء الكامل بالوعد الانتخابي، ما لم تتطابق الفئة المستفيدة والمبلغ والأجل وشروط التنفيذ. ومن هنا، تبرز مسؤولية الأحزاب التي قدمت هذه الالتزامات في توضيح أسباب أي تغيير في آجال :التنفيذ أو نطاق الاستفادة، وتقديم حصيلة قابلة للتحقق أمام المواطنين.
إذا كان العرض المالي قد حدد مبالغ وأهدافاً اجتماعية، فإن أرضية المذكرة الترافعية للمنتدى المغربي للمتقاعدين تطرح سؤالاً أعمق: كيف يمكن ضمان ألا تفقد المعاشات قيمتها مع مرور الزمن، وكيف يمكن إصلاح منظومة التقاعد دون تحميل المنخرطين والمتقاعدين وحدهم كلفة الاختلالات؟ فالمنتدى لا يكتفي بالمطالبة برفع الحد الأدنى للمعاش، بل يقترح تصوراً إصلاحياً متكاملاً يقوم على المحاور التالية:
إقرار آلية قانونية لمراجعة المعاشات وفق التضخم
تقترح المذكرة ربط مراجعة المعاشات ببلوغ التضخم سقفاً محدداً قانوناً، مع اعتماد آلية تمويل واضحة للزيادات. والغاية هي حماية القدرة الشرائية للمتقاعد من التآكل، بدل ترك مراجعة المعاشات رهينة قرارات ظرفية.
وتكتسب هذه المطالبة أهمية خاصة بالنظر إلى أن العرض المالي حدد معدل التضخم المفترض لسنة 2027 في 1.5%. غير أن هذا الافتراض الاقتصادي لا يشكل في حد ذاته ضمانة قانونية لمراجعة المعاشات إذا ارتفعت الأسعار أو تجاوز التضخم التوقعات.
إصلاح هيكلي يحقق الانسجام بين أنظمة التقاعد
تدعو المذكرة إلى الإسراع بإصلاح منظومة التقاعد، وتقريب قواعد الأنظمة القائمة، وإرساء قطب عمومي يدمج نظام المعاشات المدنية والنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد، ضمن تصور أشمل للإصلاح.
وتشدد على أن أي إصلاح ينبغي أن يتم في إطار تشاركي، مع الحفاظ على الحقوق المكتسبة ومراعاة القدرة الشرائية للمنخرطين والمتقاعدين والتوازنات المالية للصناديق.
توزيع منصف لأعباء التمويل
تقترح المذكرة مراجعة توزيع المساهمات بين المشغل والمنخرط، بحيث يتحمل المشغل الثلثين والمنخرط الثلث، وفق التصور الذي تعرضه الوثيقة.
وهذا مقترح يحتاج إلى دراسة مالية واكتوارية مفصلة، لكنه يطرح سؤالاً مشروعاً حول عدالة توزيع كلفة الإصلاح بين الدولة والمشغلين والأجراء، عوض اختزال المعالجة في زيادة الاقتطاعات أو تغيير شروط الاستحقاق.
تعزيز الحكامة والشفافية
يدعو المنتدى إلى تحيين الدراسات الاكتوارية، وتعزيز المراقبة والافتحاص، وإحداث آليات مستقلة للتتبع واليقظة، وتحسين تدبير الاحتياطات المالية، واعتماد قانون إطار ومدونة للتقاعد.
إن هذه المقترحات لا تمثل مطالب إضافية منفصلة عن الإصلاح الحكومي، بل يمكن أن تشكل أساساً لتطويره وجعله أكثر عدالة ووضوحاً واستدامة.
خامساً: ما الذي ينبغي أن يتغير في المقاربة الحكومية؟ إن المطلوب ليس وضع الوعود الانتخابية في مواجهة الإجراءات المالية لمجرد النقد، بل اعتماد منهج واضح للمحاسبة والتقييم.
وفي هذا الإطار، يمكن للمنتدى المغربي للمتقاعدين أن يدعو الحكومة والبرلمان إلى:
نشر جدول زمني مفصل للانتقال من الحد الأدنى للمعاش البالغ 1700 درهم إلى 3000 درهم، مع توضيح الفئات المشمولة وشروط الاستفادة.
بيان أسباب اختلاف أجل بلوغ 3000 درهم في العرض المالي عن الأجل الذي أعلنه حزب الأصالة والمعاصرة في برنامجه الانتخابي.
تقديم معطيات واضحة عن تمويل الزيادات، وعدد المستفيدين الفعليين، وأثرها على مختلف أنظمة التقاعد.
اعتماد آلية قانونية ودورية لإعادة تقييم المعاشات وفق تطور الأسعار، حتى لا تفقد الزيادات قيمتها بعد سنوات.
إشراك المنتدى وممثلي المتقاعدين في الحوار المتعلق بالإصلاح الهيكلي، بدل حصر النقاش في الحكومة والخبراء وممثلي المنخرطين النشيطين.
نشر نتائج الدراسات الاكتوارية المحينة وفرضياتها، مع توضيح أثر الإصلاحات المقترحة على الحقوق المكتسبة والتوازنات المالية.
وضع برنامج متكامل لكبار السن، يشمل الحماية الصحية والاجتماعية وخدمات الرعاية والنقل، ولا يقتصر على المستفيدين من المعاشات.
خاتمة: المصداقية السياسية تقاس بالوفاء للالتزامات: إن عرض مشروع قانون المالية لسنة 2027 يتضمن تدابير اجتماعية مهمة، من بينها الرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات وتحسين معاشات الأرامل. ومن الإنصاف الاعتراف بهذه التدابير، مع إخضاعها في الوقت نفسه للمساءلة بشأن آجالها وشروطها والفئات المستفيدة منها.
لكن المقارنة مع الوعود الانتخابية تكشف أن المبلغ المعلن لا يكفي وحده للحكم على مدى الوفاء بالالتزام؛ فالأجل، ونطاق الاستفادة، وآليات التنفيذ، ومصادر التمويل، عناصر أساسية في أي تعاقد سياسي مسؤول.
كما أن تحسين المعاشات، مهما كانت أهميته، لا يغني عن إصلاح هيكلي يضمن استدامة الصناديق ويحمي القدرة الشرائية للمتقاعدين، ولا عن سياسة اجتماعية شاملة لكبار السن الذين لا يتوفرون على معاش.
ومن هنا، فإن المنتدى المغربي للمتقاعدين مدعو إلى مواصلة الترافع من أجل تحويل الوعود إلى التزامات قابلة للقياس، وجعل الإصلاح المالي مدخلاً للعدالة الاجتماعية لا غاية في حد ذاته.
فالناخب الذي منح ثقته للأحزاب على أساس وعودها الاجتماعية من حقه أن يسأل عن موعد تنفيذها، والمتقاعد الذي أفنى عمره في العمل من حقه أن يطالب بإصلاح يحفظ كرامته اليوم، لا أن ينتظر إلى نهاية الولاية حتى يعرف ما إذا كانت الوعود ستتحقق أم ستؤجل من جديد.