التعويضات العائلية بالمغرب: بين تآكل القدرة الشرائية وفائض بعض الصناديق واختبار العدالة الاجتماعية

بقلم: محمد العربي القباج

تطرح التعويضات العائلية بالمغرب سؤالاً اجتماعياً يتجاوز قيمة المبالغ المصروفة وشروط الاستفادة منها، ليرتبط بمدى قدرة السياسات العمومية على حماية الأسرة من ارتفاع تكاليف المعيشة، وضمان تكافؤ الفرص أمام الأطفال، وتحقيق الإنصاف بين مختلف الفئات الاجتماعية.

ففي ظل تزايد نفقات التغذية والتمدرس والصحة والنقل، تجد أسر كثيرة صعوبة في التوفيق بين دخلها الشهري ومتطلباتها الأساسية. وهو ما يفرض إعادة تقييم منظومة التعويضات العائلية، ليس فقط من حيث الموارد المرصودة لها، بل أيضاً من حيث أثرها الفعلي على القدرة الشرائية ومدى استجابتها للحاجيات الواقعية للأسر.

ينبغي التمييز بين التعويضات العائلية المرتبطة بالأنظمة المهنية، ومنها النظام المعمول به في إطار الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وبين الدعم الاجتماعي المباشر الموجه إلى الأسر المستحقة وفق شروط محددة. وقد أُعلن عن رفع التعويض العائلي الممنوح عن الأطفال الرابع والخامس والسادس إلى 100 درهم شهرياً، في إطار تدابير مرتبطة بالحوار الاجتماعي. ويظل من الضروري تقييم الأثر الفعلي لهذه الزيادة على الأسر المعنية، ومدى تناسبها مع تطور الأسعار وتكاليف تربية الأطفال.

أما الدعم الاجتماعي المباشر، فيعتمد مبالغ وشروطاً مختلفة بحسب وضعية الأسرة وعدد الأطفال ومعايير الاستحقاق. ومن ثم، فإن تقييم السياسة الاجتماعية يقتضي النظر إلى مختلف هذه الآليات في إطار متكامل، مع تجنب الخلط بينها عند عرض الأرقام أو مقارنة المبالغ.

إن التعويضات العائلية ليست منّة من الدولة، بل إحدى أدوات التضامن الاجتماعي التي يفترض أن تسهم في تحمل جزء من أعباء تربية الأطفال. غير أن فعاليتها تظل رهينة بمدى قدرتها على مواكبة الحاجيات الأساسية للأسر. فالمراجعة الدورية للمبالغ، وفق تطور الأسعار والقدرة الشرائية، أصبحت ضرورة اجتماعية، بدل الاكتفاء بتدابير ظرفية قد لا تعكس حجم الأعباء المتزايدة. كما ينبغي أن تكون هذه المراجعة مبنية على معطيات واضحة، تسمح بتقييم ما تحقق وما يتعين استكماله.

ويطرح هذا الواقع أيضاً إشكالية التفاوت بين الأسر المستفيدة من أنظمة الحماية المرتبطة بالعمل، وبين الأسر التي تعتمد على أنشطة غير مهيكلة أو مداخيل غير منتظمة. فالإنصاف لا يعني بالضرورة منح الجميع المبلغ نفسه، وإنما ضمان حماية فعالة وفق معايير عادلة وشفافة، حتى لا يتحول الوضع المهني أو ضعف الدخل إلى سبب إضافي لإقصاء الأطفال من فرص العيش الكريم.

من القضايا التي تستحق نقاشاً عمومياً مسؤولاً الوضعية المالية لبعض أنظمة الحماية الاجتماعية، ومدى إمكانية توظيف الموارد المتاحة لتحسين الخدمات والتعويضات المقدمة للمستفيدين.

فوفق التقرير السنوي حول الاستقرار المالي برسم سنة 2024، سجل فرع التقاعد طويل الأمد للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي فائضاً إجمالياً بلغ 4 مليارات درهم خلال سنة 2024. غير أن المعطيات المنشورة بشأن سنة 2025 تشير إلى تراجع هذا الفائض إلى 2.4 مليار درهم. وتهم هذه الأرقام فرع التقاعد، ولا تعني أن فرع التعويضات العائلية يتوفر على الفائض نفسه

إن هذه المعطيات تفتح الباب أمام سؤال مشروع: كيف يمكن تعزيز الأثر الاجتماعي للموارد المتاحة، مع الحفاظ على التوازنات المالية واستدامة الصناديق؟ والمطلوب هنا ليس المطالبة بصرف الفوائض دون اعتبار للالتزامات المستقبلية، بل الدعوة إلى الشفافية في نشر الحسابات المالية لكل فرع، وتوضيح حجم الاحتياطات والالتزامات، وتقييم إمكانات تحسين التعويضات والخدمات في إطار رؤية اجتماعية مستدامة.

فالمنظومة الاجتماعية لا ينبغي أن تُقيَّم فقط بقدرتها على تحقيق التوازن المالي، بل أيضاً بمدى نجاحها في حماية المنخرطين والأسر المستفيدة، وتحويل الموارد المتاحة إلى نتائج ملموسة في حياتهم اليومية.

تُظهر التجربة الفرنسية، على سبيل المثال، اعتماد نظام للتعويضات العائلية يرتبط بعدد الأطفال ومستوى دخل الأسرة. ووفق جدول صندوق التعويضات العائلية الفرنسي، ابتداءً من فاتح أبريل 2026، يبلغ المبلغ الشهري لأسرة لها طفلان 152.25 يورو في الشريحة الأعلى من الاستفادة، مقابل 76.13 يورو في الشريحة المتوسطة و38.06 يورو في الشريحة الأدنى. أما الأسرة التي لها ثلاثة أطفال، فتتراوح المبالغ الأساسية بين 86.83 و347.32 يورو شهرياً.

ولا يمكن نقل هذه المبالغ مباشرة إلى المغرب، لاختلاف الأجور وتكاليف المعيشة وأنظمة التمويل. لكن التجربة تبرز أهمية مراعاة عدد الأطفال ودخل الأسرة، وتطوير آليات الدعم بما يحقق قدراً أكبر من الإنصاف.

ومن ثم، فإن الاستفادة من التجارب الدولية ينبغي أن تنطلق من المبادئ والآليات القابلة للتكييف مع الواقع المغربي، لا من المقارنة الرقمية المجردة.

لا تكتمل العدالة الاجتماعية دون الاهتمام بالمتقاعدين محدودي الدخل الذين ما زالوا يتحملون أعباء أسرية، وبالأسر التي تجد صعوبة في الولوج إلى أنظمة الحماية التقليدية. فالتقاعد لا يعني انتهاء المسؤوليات العائلية، كما أن العمل في القطاع غير المهيكل لا يلغي حاجة الأسرة إلى الحماية.

لذلك، تبرز الحاجة إلى دراسة سبل تعزيز الإنصاف لفائدة هذه الفئات، وتبسيط شروط الاستفادة، وتحسين التنسيق بين التعويضات العائلية والدعم الاجتماعي المباشر والخدمات العمومية في مجالات التعليم والصحة والسكن.

كما ينبغي إخضاع البرامج الاجتماعية لتقييم دوري وشفاف، لا يكتفي بعدد المستفيدين أو حجم الاعتمادات المرصودة، بل يقيس أثرها على الفقر والقدرة الشرائية وتكافؤ الفرص.

إن إصلاح منظومة التعويضات العائلية لم يعد ترفاً سياسياً أو مطلباً ظرفياً، بل أصبح جزءاً من النقاش الضروري حول بناء الدولة الاجتماعية في المغرب. والمطلوب هو مراجعة دورية للتعويضات، وتعزيز الحماية للفئات الهشة، ونشر معطيات مالية دقيقة حول كل فرع من فروع الصناديق الاجتماعية، والاستفادة من التجارب الدولية في حدود ما يتلاءم مع إمكانات الاقتصاد الوطني.

فالعدالة الاجتماعية لا تتحقق بمجرد الإعلان عن برامج الدعم، ولا بمجرد تسجيل فوائض مالية في بعض الأنظمة، وإنما بقدرة السياسات العمومية على تحويل الموارد المتاحة إلى حماية فعلية، وتحسين ظروف عيش الأسر، وصون كرامة المتقاعدين، وضمان فرص أكثر إنصافاً للأطفال. ذلك هو الرهان الحقيقي: أن تصبح الحماية الاجتماعية حقاً ملموساً في الحياة اليومية للمواطن، لا مجرد أرقام في التقارير أو وعود في البرامج.

 

التعويضات العائلية بالمغرب: بين تآكل القدرة الشرائية وفائض بعض الصناديق واختبار العدالة الاجتماعية
التعليقات (0)
اضف تعليق