عادل عزيزي
نحن مؤمنون أولاً وآخراً، ولا نريد من وقع الفاجعة أن يجرفنا إلى “لوٍ وليت” لا تزيد الوجع الا وجعا.. مؤمنون أن قضاء الله لا راد له، وأن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، مهما تحصّنا، مهما تحوّطنا، مهما أخذنا من أسباب نراها ممكنة وهي في الواقع واحات سرابٍ أمام القدر.. نحن مؤمنون بكل شيء.. ونعرف أن أقوى الدول وأكثرها استعداداً وإمكانيات ترتبك عند وقوع كارثة طبيعية، كبريات الدول غرقت مدنها وشوارعها وتضررت ممتلكاتها ففي الكوارث يتساوى القوي والضعيف لكن عند تعداد الخسائر تتمايز الاستعدادات والتجهيزات وكفاءة الكوادر..
قلنا في حضرة الفاجعة لا يليق تقاذف اللوم.. لكن هذا لا يعني أن نتكئ في كل مصائبنا عل وسادة “القضاء والقدر”.. لا يعني أن نكتفي بعبارات إيمانية تريح القلب ونخلّ في مسؤولياتنا ونمعن في تقصيرنا، لا بد من أحد أن يتحمّل المسؤولية، لا بل، لا بد لأكثر من أحدٍ أن يتحمّل المسؤولية .
وفي هذا السياق، فإن ما شهدته بعض مناطق الوطن يعيد إلى الواجهة سؤالا مؤجلا حول وضعية الطرق والبنية التحتية، وليس مجرد حادث عابر فرضته قوة الطبيعة، فقبل الفاجعة، كانت صور ومقاطع منشورة على مواقع التواصل الاجتماعي تحذر بوضوح من تدهور جودة عدد من الطرق، ومن هشاشة منشآت يفترض أنها شرايين حياة للساكنة، لا مسالك مؤقتة قابلة للانهيار مع أول اختبار حقيقي، فضلا عن انسداد مجموعة من قنوات تصريف المياه، وغياب الصيانة الدورية لها، وهو ما فاقم من حدة الأضرار وساهم بشكل مباشر في تفاقم آثار السيول.
هذه التحذيرات لم تكن وليدة اللحظة، ولا صادرة عن خبراء في الغرف المغلقة، بل جاءت من مواطنين يعيشون الواقع يوميا، ويجربون تلك الطرق في تنقلهم، ويعاينون تشققاتها، وانجراف جنباتها، وغياب الصيانة الدورية عنها، ومع ذلك، ظل التعامل معها في كثير من الأحيان إما بالتجاهل، أو بالتسويف، أو بترقيعات موسمية لا تصمد أمام أمطار غزيرة أو سيول مفاجئة.
إن القول بأن ما وقع “قضاء وقدر” لا يعفينا من طرح السؤال المشروع، هل قمنا بما يجب قبل أن يقع ما وقع؟ هل احترمت المعايير التقنية في إنجاز الطرق؟ هل أُخذت بعين الاعتبار طبيعة المنطقة الجغرافية والمناخية؟ هل خضعت المشاريع للمراقبة والتتبع والمحاسبة؟ أم أننا نكتفي كل مرة بإحصاء الأضرار بعد الفاجعة، دون مراجعة حقيقية لما قبلها؟
لا يليق بنا، أخلاقيا ووطنيا، أن نقاذف اللوم في لحظة الألم، لكن لا يليق بنا أيضا أن نفرغ مفهوم الإيمان من معناه العملي، فالإيمان الحق لا يتناقض مع المحاسبة، ولا مع تحمل المسؤولية، بل يؤسس لهما، والقيام بالواجب، والأخذ بالأسباب، وإتقان العمل، هي في جوهرها قيم دينية قبل أن تكون متطلبات إدارية.
إن ما تحتاجه مناطق المتضررة ليس فقط التعاطف بعد الكوارث، بل رؤية استباقية، واستثمارا حقيقيا في بنية تحتية تحترم الإنسان والمجال، وتتعامل مع المخاطر لا باعتبارها احتمالات بعيدة، بل كوقائع متكررة، كما تحتاج إلى وضوح في المسؤوليات، وربط حقيقي بين القرار والمحاسبة، حتى لا تتكرر المآسي بنفس الأسباب، وتروى بنفس العبارات.
في النهاية، لسنا ضد الإيمان، بل نكتب من داخله، ولسنا دعاة اتهام، بل دعاة وعي، لأن الفاجعة، إذا لم تتحول إلى درس، ستبقى مجرد رقم في سجل طويل من الخسارات القابلة للتكرار.