الشكر تلك المهمة المستحيلة

عادل عزيزي

في عالم يسهل فيه الشكوى، ويتفنن فيه الناس في حصد الهموم وكأنها عملة نادرة، يأتي الأمر الإلهي الصادم: “وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ”! نعم، هذه المهمة الشاقة التي تتطلب منا أن ننقل بوصلة تركيزنا من ما ينقصنا إلى ما نملكه.

تخيلوا معي إنسان يستيقظ صباحا وفي جعبته هموم اليوم السابق، ومتاعب الغد المنتظر، ومشاكل الحاضر الملحة، ثم فجأة يطل عليه نداء: “كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ”! فيحاول أن يجبر نفسه على تذكر النعم، لكنه سرعان ما ينتهي به المطاف إلى حساب الهموم من جديد! وكأن عقله مبرمج على وضعية الشكوى ولا يعرف غيرها!

والطريف أننا نحول الشكر إلى مهمة نظرية بحتة! نقرأ عن فوائده، نحفظ آياته، ننصح به الآخرين، لكن عندما تأتي لحظة التطبيق، نكتشف أننا نمتلك موهبة خارقة في تحويل النعم إلى هموم! النعمة تصبح عبئا، والفضل يتحول إلى مسؤولية، والخير يبدو وكأنه اختبار صعب!

بل إن بعضنا يفهم الشكر وكأنه نوع من السذاجة أو الغباء! كيف أشكر وأنا محاط بالمشاكل؟ يسأل أحدهم، وكأن المشاكل تلغي النعم! أو كيف أكون شاكرا وفي العالم جوعى؟ يتساءل آخر، وكأن نعم الله علينا تقل إذا شكرناها!

في الحقيقة، الأمر الإلهي “وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ” هو أذكى استراتيجية للتعامل مع الحياة! فهو لا ينفي وجود الهموم، بل يغير نظرتنا إليها! كمن ينظر إلى الكوب الممتلئ نصفه بدلا من النصف الفارغ! لكننا للأسف نفضل أن نبكي على النصف الفارغ، ثم ندعي أننا واقعيون!

فيا سادة، لنضحك على أنفسنا قليلا! فكم منا يملك نعمة البصر ويشكو من نظارته! وكم منا عنده سقف يؤويه ويتذمر من شدة البرد! وكم منا يتمتع بصحة ويعتبر نفسه مريضا لأن لديهونزلة برد أو صداعا عابرا!

الشكر الحقيقي ليس إنكارا للهموم، بل هو اختيار لإعادة تركيز العدسة الذهنية! هو تمرين يومي لقوة الملاحظة الإيجابية! هو أن تبحث عن النعمة المخبأة في ثياب النقمة! هو أن ترى الشمس خلف السحاب!

فلنجرب جميعا أن نبدأ يومنا بعدد النعم بدلا من عدد الهموم! فسنكتشف أن النعم تفوق الهموم رياضيا وإحصائيا! لكننا للأسف نميل إلى تضخيم الهموم وتصغير النعم!

فالشكر ليس شعارا نرفعه، بل عادة نزرعها!

ليس كلمات نقولها، بل نظرة نعيشها!

وصدق الله العظيم إذ قال: “لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ” فزيادة النعم تبدأ بشكر النعم القائمة، لا بالبكاء على ما فات!

فحين يشكر القلب، يهدأ..

وحين يهدأ  يبصر..

وحين يبصر  يدرك أن النعم كانت حوله دائما..

لكننا كنا مشغولين بالبحث عن الغيوم …

ونسينا من يسوقها برحمة..

الشكر تلك المهمة المستحيلة
التعليقات (0)
اضف تعليق