متى نكف عن تقديم قرابين للحضارة؟

 

بوناصر المصطفى

غير بعيد عن هذا الزمن الذي سلب منا الإرادة والجاثم على صدورنا، كنا نعيش في وطن يكفينا جميعا بذاكرة حية وقودها الخيال وحكايات الجيل القديم، نتشارك همومنا وتحدياتنا، نرسم جميعا الافق بإمكانيات لوجستية بسيطة نسبيا، تتكفل بها ادرع بشرية تعودت على رقي المشاعر، تتحسس دقات قلب هذا الوطن، كل رؤاها ذات جدوى على حياتنا، لكونها تراهن على البساطة والجودة في الإنتاج والانجاز، تساوم بتكاليف مادية قليلة وتهديك ثمرة طاقات بشرية صادقة تستثمر كل كفاءتها للإحساس بالرضى والرقي بوطن هم جنوده، لكن للأسف لم نكن نترقب أن يطل علينا زمن مستورد بالقوة، بقناعة رواد سارت خطاهم في تردي متواتر ومستمر، ربما قد تغريك تلك العناوين لكن رهاناتها فاترة زائفة بالرغم من خطط استراتيجية مرسومة بعناية فائقة و اعتماد أرصدة مالية خيالية لمكاتب دراسات أحيانا أجنبية أو محلية تقتات من الريع و تقنعك باعتماد امكانيات تقنية علمية ودراسات تتوخى الدقة، لكن مال كل صفقة هي أن نسقط في عثرة تهدم كل تلك الاحلام والرؤى.
كلما استسقينا كمية قليلة من أمطار الخير إلا وأهدرنا كل تلك الإمكانيات المادية ودفنا معها ضحايا بشرية تتوسل الرعاية في قاموسهم هي قرابين هذه الحضارة.
أليس الصمت عن هذا العبث جريمة بكل المقاييس؟ ليس هناك ما يثنينا عن البحث بإطلاق العنان لأسئلة قد تصوب أصابع الاتهام إلى الروبوتات المسؤولة عن هذه الكوارث؟
إن التطرق إلى قضية معقدة من هذا الحجم تتطلب استقصاء الأسباب الكامنة وراء هذه الازمات لنضع الجهات المسؤولة في فقص الاتهام.
لا شك أن الانفلات في توسيع دائرة المدن على حساب مجالات فلاحية غير مؤهلة مورفولوجيا في بناءها، هضاب ووديان وخلجان جافة، تبقى الفرضية الأكثر حظا في خلق حالة من هذا الارتباك اللا مسؤول في مخططات التهيئة العمرانية هذه سواء بإدخال تعديلات أقرب إلى العشوائية منها إلى الهندسة المدنية أو بإقحام دواوير يصعب هيكلتها نظرا لتكلفتها المادية دون أدنى تخمين للمخلفات على المستوى القريب والمتوسط ، مما يضفي على المدن أشكال ومخططات غريبة عن مجال الجغرافيا الحضرية، فتصبح عرضة لارتجال الحلول أكثر من الاجتهاد في صنع حاجيات اقرب للساكنة.
كل هذه الاختلالات تعززها سياسات ليبرالية متوحشة لا مدينية تكرس التهافت المطلق للولبيات من المستثمرين والمنعشين العقاريين على مساحات قروية دون أن تعطي للدراسة التقنية الطوبوغرافية وزنها في رسم أفق تهيئة أي مدينة. فتصبح الصورة أكثر سوريالية بتقصير عن سبق إصرار وترصد من هيئات منتخبة وسلطات محلية ومؤسسات متدخلة تخاذلت في القيام بأدوارها للإسهام في تنزيل ثقافة القرب وتصحيح الاعطاب.
قد تتعدد الجهات المسؤولة عن انفلات التنمية فنغرق في تأدية فاتورة إما زلزال أو فيضانات مائية بتأثيراتها السلبية على القرى أو وضواحي المدن كشفت معاييرهم في التصميم الهندسي.
يحز في النفس أن تقتصر تدخلات بعض الجماعات المحلية والسلطات المنتخبة أو حتى بعض القرارات الإدارية العليا والتي غالبا ما تكون مدفوعة بمصالح شخصية أو جشع ما ينعكس سلبًا على إدارة الأزمات لتترك مجالا تتوالد معه الازمات وتتفاقم المشاكل على البيئة عامة بتسريع تفريغ التجزئات السكنية في غياب دراسات شاملة.
هذا كله لا يعفي الوكالات الوصية والمتدخلة في المجال كوكالة حوض تانسيفت والوكالات الحضرية من فشلها الذريع في القيام بالأدوار المنوطة بها كي ترسم مهامها قبليا بشكل فعال كي تسهم في تنمية مستدامة لإدارة المياه في منأى عن هذه الفيضانات والكوارث المجانية.
يبدو أن ضعف آليات المساءلة والرقابة على تصرفات المسؤولين قد يكرس استمرارية هذه الأعطاب حيث لا توجد عواقب على الإجراءات والمخططات غير السليمة.
والحالة هذه فإن تفعيل صندوق الكوارث أصبح ضرورة ملحة بالإضافة الى الاستعجال في بناء نظام فعال لإدارة الأزمات وتعزيز التعاون بين الحكومة، المجتمع المدني، والقطاع الخاص كشرط أساسي لإ نجاح جهود منسقة بين جميع هذه الجهات لتطوير حلول مستدامة تمنع تفشي أي كارثة كيف ما كانت طبيعتها قصد تخفيف معاناة المجتمعات المهمشة.

#لماذا لا نبادر لخلق حوار أعمق حول أسباب الأزمة الحالية وتداعياتها، فضلاً عن التفكير في الحلول الممكنة؟
لتطوير الخطة الحضرية # ما المانع في إعادة النظر في خططنا العمرانية لضمان توازن بين التوسع الحضري والحفاظ على الأراضي الزراعية؟
تشجيع الدراسات العلمية # وهل إجراء دراسات ميدانية تقنية لضمان واتخاذ قرارات مستندة إلى البيانات بعيدة المنال؟
وتحفيز المسؤولية المجتمعية #والى أي حد تعمل الحكومات على وتعزيز الوعي حول أهمية المشاركة في عمليات التخطيط والتنمية أم أن الازمة أزمة ضمير ومسؤولية فهل افتقدنا الذاكرة؟

متى نكف عن تقديم قرابين للحضارة؟
التعليقات (0)
اضف تعليق