عادل عزيزي
أثناء تغطيتي لنشاط رسمي بمقر عمالة تاونات، شدتني لوحة فنية معلقة تتدلى في بهو العمالة كما لو أنها تحرس ذاكرة المكان، لوحة فنية تجمع بين ملامح المرأة الجبلية بلباسها التقليدي وألوانها البهيجة، وبين قصيدة تنشد عشقا قديما لهذه الأرض.
لوحة ليست مجرد فن معروض، بل شهادة حية على هوية منطقة وصورة تختصر تاريخا طويلا من الصبر والخصب وارتباط الإنسان بالأرض، بل قطعة من الذاكرة، تحمل في تطريزاتها لون الأرض وصبر الجبال.
اما القصيدة، فتحمل عنوان “تاونات عرش الزيتون”، تبدو كأنها رسالة وجدانية كتبت على لسان كل من مر من هذه الربوع وترك جزءاً من روحه في حقولها.
تتحدث عن حب لا يشيخ، عن ارتباط يتجاوز الجغرافيا ليصل إلى ذاكرة الناس وقلوبهم.
تاونات، كما تصفها الكلمات، ليست مكانا فقط؛ إنها حالة وجدانية، رفيقة نبض يسكن أبناءها أينما ارتحلوا.
تصور الأبيات تاونات كعرس دائم للزيتون، كأفق تتعانق فيه الشمس مع المدرجات الزراعية، وكفضاء يكتسي دفئه الخاص حين يغادر النهار قمته، هذا الدفء الذي يجعل الزائر يشعر أن في تاونات شيئا يشبه الطمأنينة، شيئا يلهم ويعانق الروح بصمت وجمال.
وتتوقف القصيدة عند تفاصيل دقيقة تميز الإقليم، أصالة الإنسان..
عناد الزهر الذي يقاوم عوامل الطبيعة..
صبر الفلاح الذي يراكم سنوات من العمل الشاق..
وخضرة الحقول التي تتحول إلى رمز للحياة والفرح..
كل ذلك في لغة تعيد إلى الواجهة صورة تاونات كأنثى جبلية نبيلة، مكسوة بالعفة و الكرم ونقاء القلب وعلو المقام.
إن حضور هذه القصيدة داخل مقر رسمي بتاونات ليس أمرا اعتباطيا، فهو يعكس إدراكا عميقا بأن التنمية لا تقاس فقط بالمشاريع والميزانيات، بل أيضا بالاعتراف بالهوية الثقافية وبالرموز التي صنعت ذاكرة المكان، كما يكشف عن رغبة في ترسيخ صورة تاونات كإقليم يجمع بين التاريخ والجمال الطبيعي وقوة الإنسان.
تاونات، كما تقول القصيدة، ليست فقط “عرش الزيتون”، بل هي رهان جمال وهوية، ومرآة صادقة لأرض لا تزال تحتفظ بصفائها رغم تغير الزمن.
إنها قصة مجتمع تشكل عبر عقود من الكفاح، وصورة جمالية تستحق الاحتفاء بها في كل مناسبة، خصوصاوفي موسم جني الزيتون الذي يعيد الحياة إلى الحقول ويعيد الروح إلى الناس.
إنها تاونات، الأرض التي لا تشيخ..، والمرأة الجبلية التي ما زالت تلهم الشعراء، وتستفز ذاكرة الزائر، وتمنح كل من يمر بها سببا جديدا ليحبها أكثر..
لحظتها أدركت أن الفن أحيانا يقول ما لا يقوله الخطاب الرسمي، وأن الصورة تلخص تاريخا بأكمله في نظرة امرأة واحدة.
وهكذا، بين لوحة فنية تجمع بين ملامح المرأة الجبلية بلباسها التقليدي وألوانها البهيجة، وبين قصيدة تتغنى بتاونات، وحقول تمتلئ بالحركة، يكتمل المشهد. تاونات تلبس هذه الأيام تاجها الأخضر، وتجلس على عرشها القديم/الجديد… عرش الزيتون، الذي لا يشيخ ولا يتنازل عن مكانته مهما تغير الزمن، وتغيرت الوجوه..!