فلاش 24 ـ أفريلي مهدي
في خضم الظرفية الدقيقة التي تمر بها المنطقة، لا يخرج علينا من الظلال إلا أولئك الذين اعتادوا الاصطياد في الماء العكر، وجوه تجيد التذمر، وتتقن التهجم، لكنها تعجز عن تقديم أي بديل واقعي أو مشروع بناء ،فجأة يصبح كل منتخب فاسدا في أعينهم ، وكل عملية انتخابية “صفقة”، لتختزل الإرادة الشعبية في سخرية مريضة، وأحكام عامة بلا دليل أو منطق.
وفي السياق ذاته، إن ما نسمعه ونقرأه أحيانا في مجموعات أو تدوينات ، لا يدخل في باب النقد النزيه، بل في باب التحامل العبثي ، فلا أحد يرفض المحاسبة أو يقدس الأشخاص، ولكن أن تتحول كل مشاركة سياسية إلى “مؤامرة”، وكل نجاح نسبي إلى “خدعة”، فذلك انزلاق نحو عقلية الهدم لا الإصلاح.
كون هؤلاء لا ينتقدون المؤسسات أو السياسات، بل يهاجمون منطق المشاركة ذاته، ويحاولون شيطنة أي انخراط إيجابي، فقط لأنهم اعتادوا لعب دور “المعارض المحترف” دون مضمون ، فلماذا يتوارون عن الأنظار حين تحتاجهم المنطقة، ويظهرون فقط حين تقترب مواعيد الصناديق، حاملين معاولهم لا أفكارهم.
حيت أن البعض لا يتحرك من تلقاء نفسه، بل يصير بقدر قادر كأداة تشويش انتخابي لا يتحرك من تلقاء نفسه ، ليرمى به بعد أن يؤدي دوره ،إن هؤلاء لا يختلفون كثيرا عن قطع الشطرنج المتحكم بها، متناسين بأنهم يعيشون في نفس المنطقة، ويستفيدون من نفس الخدمات التي يهاجمونها، ويسيرون في نفس الطرق التي يصفونها بالخراب.
حقا يظل الانتقاد مشروعا ورفض السياسات العرجاء واجب ، ولكن هناك فرق بين من يراقب ليساهم في التصحيح، ومن يراقب ليحرق كل شيء، فرق بين المواطن الغيور، والمندس الذي يستعمل ثم يستغنى عنه ،فرق بين من يعارض لبناء بديل، ومن يعارض فقط ليمارس الظهور، أو ليُصفّي حسابات غيره.
إن المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من العدمية ، بل تحتاج إلى أصوات مسؤولة، تعارض حين يلزم، وتقترح حين يجب، وتشارك حين تمنح الفرصة ، فالساكنة لا تريد منطقة تدار بالصراخ، بل تبنى بالعقل والنزاهة والاستمرارية.
وختاما لما سلف ذكره ، فإننا نجدد القول بأن هذا المقال لا يهاجم الأشخاص، ولا يتهم جهات بعينها، بل يسلط الضوء على ظاهرة مقلقة تتكرر مع كل مرحلة سياسية ، فالغاية هنا ليست إقصاء الرأي المخالف، بل الدعوة إلى ترشيد الخطاب، واحترام ذكاء المواطن، والكف عن التحول إلى مفعول به .
فقد نختلف، و ننتقد، ولكننا في نهاية المطاف نظل أبناء نفس المنطقة، ولا يحق لأحد بأن يجعل منها ساحة فوضى دائمة لمآربه الخاصة.