ازرو بين التحولات القيمية وتحديات الانفلات الأخلاقي

أبوسعد

تعيش مدينة أزرو، المعروفة بهدوئها ونمطها الاجتماعي المحافظ، على وقع تحولات مقلقة بدأت تفرض نفسها تدريجيا في عدد من الأزقة والأحياء. فبين مشاهد اعتيادية لحياة يومية بسيطة، تطفو على السطح مظاهر انفلات أخلاقي لم تكن مألوفة حتى وقت قريب، الأمر الذي يثير نقاشا مجتمعيا مستحقا حول التغير القيمي ودور مختلف المتدخلين في احتواء هذا المنحى.

في عدد من أحياء المدينة، لم يعد مستغربا أن تشاهد حالات تعاط صريح لمختلف أنواع المخدرات، من الحشيش إلى أقراص الهلوسة، في وضح النهار، وأحيانا قرب مؤسسات تعليمية. بعض المراهقين يتعاطونها علنا، دون خوف من رقابة أو مساءلة، في ظل شبه غياب لدوريات المراقبة أو تراجع الحضور التربوي في الفضاءات القريبة منهم.

إلى جانب ذلك، تبرز مظاهر أخرى لا تقل إزعاجا، من قبيل اللباس الفاضح والمكشوف الذي لا يراعي خصوصية الفضاء العام، والتحرش اللفظي المتبادل بين فئات من الشباب في الشارع، والتعاطي العلني للدعارة في بعض الأزقة والأماكن المهجورة، حيث يستغل الفراغ الأمني والاجتماعي لمراكمة سلوكيات تقوض استقرار المحيط المحلي، وتضعف الثقة بين أفراد المجتمع.

ولا يتعلق الأمر هنا فقط بتغيير في أساليب اللباس أو التعبير، بل بخلل أعمق في منظومة التوجيه والقيم. ففي غياب فضاءات بديلة تحتوي هذه الطاقات وتؤطرها، يجد بعض الشباب والمراهقين أنفسهم منساقين وراء أنماط سلوكية دخيلة، تغذيها مواقع التواصل الاجتماعي، وتروج لها بعض النماذج المنفصلة عن الواقع، ما يخلق حالة من الاضطراب في المعايير، ويجعل من “التمرد” سلوكا مرغوبا لدى البعض.

أمام هذا المشهد، يعبر عدد من السكان عن قلق متزايد مما يعتبرونه انزياحا خطيرا عن القيم التي نشأت عليها المدينة. أسر كثيرة تقر بصعوبة مواكبة هذه التغيرات، خاصة في ظل محدودية الوسائل، وغياب البدائل الجادة، وتراجع تأثير المدرسة، وضعف البنيات الثقافية والرياضية التي كان من المفترض أن تلعب دورا وقائيا وتأهيليا.

غير أن التعامل مع هذه التحولات لا يمكن أن يختزل في المقاربة الأمنية أو إصدار الأحكام الأخلاقية فقط. فالمطلوب اليوم هو مقاربة متكاملة وواقعية، تنطلق من تحليل الأسباب لا الوقوف عند النتائج. البطالة، الهدر المدرسي، التفكك الأسري، هشاشة الفضاءات العمومية، وضعف التأطير، كلها عوامل تراكم الإحباط وتدفع البعض إلى سلوكيات هدامة، لا تعبر بالضرورة عن طبيعتهم، بقدر ما تعكس هشاشتهم أمام واقع مغلق.

لذلك، فإن مواجهة هذه الظواهر لا تكون بالتشنج ولا بالسكوت، بل بالإنصات والتحرك المشترك. مدينة أزرو، بما تمتلكه من رصيد بشري ووعي جماعي متجذر، قادرة على استعادة توازنها الأخلاقي والسلوكي، إذا تم استحضار الجميع في المعادلة: من الأسرة إلى المدرسة، من الجماعة المحلية إلى المجتمع المدني، ومن الأمن إلى الإعلام المحلي.

لأن الرهان الحقيقي ليس فقط في مواجهة مظاهر الانحلال، بل في إعادة بناء الثقة في الفضاء العام، وتمكين الشباب من فضاءات تمنحهم معنى لوجودهم، وتعيد ربطهم بقيمهم، لا كوصاية، بل كاختيار نابع من قناعة.