– تقرير .. محمد المالكي خنيفرة.
في لحظةٍ قَسَتْ عليها الأقدار، انطفأت شمعةٌ صغيرةٌ من حياة أسرةٍ في خنيفرة، ليرحل الطفل محمد الراجي (12 عامًا) ضحية نهر أم الربيع، حاملاً معه أحلامًا لم تُكتَب لها الإكمال، وقلوبًا لم تَعرفْ إلا العَطاء. بعد 13 يومًا من البحث المضني بين تيارات النهر المتعسّرة، انتُشلت جثمانه الطاهر ليُوارى الثرى في مقبرة “أحطاب”، وسط مشهدٍ جنائزيٍّ مهيبٍ جمع بين دموع الأهل، وصلوات الغرباء، ووقوف الرسميّين موقفَ الإخوة.
لم تكن غَرقة محمد مجرد حادثة عابرة، بل فاجعةٌ كشفت عن إنسانيةٍ نادرة في تعامل السلطات مع المأساة. زيارة عامل الإقليم محمد عادل أهوران لعائلة الطفل قبل العثور على الجثمان – مباشرة بعد صلاة العيد – كانت رسالةً مفادها أن “الإدارة المواطنة” ليست شعارًا، بل التزامًا بالوقوف مع الناس في أحلك لحظاتهم. لم يأتِ العامل محمولًا على بروتوكولات الجفاف، بل أتى حاملًا عزاء الأب الذي فقد ابنه، ومؤكدًا أن البحث سيستمر حتى آخر نفس.
وراء كل حفنة ترابٍ أُلقيت على قبر محمد، قصة كفاحٍ استثنائي لفرق الإنقاذ. رجال الوقاية المدنية ، والدرك الملكي، والهلال الأحمر المغربي، كافحوا ضدّ التيارات الجارفة، وعُكورة مياه النهر، وصعوبة تضاريس قاع أم الربيع الذي يحوي صخورًا شائكةً كقلوب المفجوعين. استخدام طائرات “الدرون”، وتكثيف عمليات التمشيط من “مزدلفان” إلى “بحيرة سد أحمد الحنصالي”، كلها جهودٌ تُترجم أن حياة الإنسان – حتى بعد رحيله – تُقدّس فوق كل الاعتبارات.
شرح مسؤول بالوقاية المدنية لـ” فلاش 24 – flach 24 ” الفرق بين البحث في الأنهار والبحيرات:
– التيارات المتقلبة : نهر أم الربيع يجرف الضحية لمسافاتٍ غير متوقعة، بعيدًا عن نقطة الغرق.
– عُكورة المياه : الأمطار الأخيرة حوّلت النهر إلى غمامةٍ تحجب الرؤية تحت الماء.
– مخاطر القاع : جذوع الأشجار والحفر الطبيعية تُحوّل القاع إلى متاهةٍ مميتةٍ للغواصين.
لكنّ كل هذه التحديات لم تُثنِ الفرق عن الاستمرار، حتى انتشال الجثمان في منطقة “تويرس” بمزدلفان، ليكتمل العزاء بوصول الفقيد إلى مثواه الأخير.
حضور السيد رئيس قسم الشؤون الداخلية بعمالة خنيفرة، نيابة عن السيد عامل الإقليم، والسيد باشا المدينة والسيد رئيس المجلس العلمي المحلي والسيد رئيس جماعة خنيفرة ، ونخبة من المسؤولين والمنتخبين، وأفراد من عائلته، وجموع غفيرة من محبيه وأهل ، إلى جانب أبناء الحي في الجنازة، أعاد تعريف “التلاحم الاجتماعي”. كلمات الدكتور عباس أدعوش أثناء الدفن – التي ذكّرت بالصبر والاحتساب – لم تكن خطابًا دينيًّا تقليديًّا، بل مُناخًا روحانيًّا جمع بين الإيمان بقضاء الله، والاعتراف بوجع الفقدان. حتى زيارة العامل للعائلة أصبحت سابقةً تُحسب للإقليم، كأنها تقول: “المواطن ليس رقمًا في ملف، بل اسمٌ له أحبّة”.
رحل محمد الراجي جسديًّا، لكنّ قصته خلّفت دروسًا :
1. الإدارة القريبة : أن تكون السلطة “أمًّا” في لحظات الألم، لا “حارسًا” للبيروقراطية.
3. المجتمع الحي : عندما يبكي الغريب على طفلٍ لم يره، فذلك هو جوهر الإسلام المغربي الأصيل.
اليوم، تحوّل قبر محمد في مقبرة “أحطاب” إلى شاهدٍ على أن الموت – رغم قسوته – قد يجمع الناس على قيمٍ نادرة. فلْتكنْ روحُه الطاهرة حافزًا لتثبيت ثقافة الوقاية عند الأنهر، ولتظلّ زيارة العامل للعائلة نموذجًا يُحتذى في كل المغرب.
رحمك الله يا محمد.. لقد عشتَ طفلًا، لكن رحيلك علّم الكبار معنى الإنسانية.
{إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}.