بقلم الصحفي المهني : عادل عزيزي
الحياة أشبه بسيمفونية مليئة باللحظات المتنوعة، بعضها يمر سريعاً دون أن نلاحظه، وبعضها يترك أثراً في نفوسنا، ومع ذلك، كثيراً ما نقف مترددين، أسرى لعبة الانتظار، مُتشبثين بفكرة “الوقت المناسب”، تلك اللحظة المثالية التي نعتقد أنها ستأتي يوماً، وتمنحنا إشارة بأنّ الآن هو الوقت الأمثل، نؤجل أحلامنا، ونضع طموحاتنا على الرف، متوهمين أنّ المستقبل يحمل لحظة سحرية تكون فيها الأمور أكثر سهولة ووضوحاً، لكن الحقيقة التي نتجاهلها هي أنّ “الوقت المناسب” ليس سوى سراب، وعندما نتخذ قرار البدء، رغم العوائق والخوف، فإننا نفتح باباً لتحوّلات مذهلة واستثنائية.
نحن نعيش في عالم لا يتوقف عن الحركة، يتغيّر كل شيء من حولنا باستمرار، الوقت لا ينتظر، والزمن لا يتوقف حتى نلحق به، ومع ذلك، نجد أنفسنا على هامش الحياة، نراقبها تمُر، معتقدين أنّ غداً سيكون اليوم المثالي، لكن ماذا لو كان “الغد” وهماً كما نعيشه بإقليم تاونات، زمن تنموي إما متعثر وإما متوقف؟ ماذا لو كان اليوم هو الفرصة الحقيقية التي يجب أن نغتنمها لنحيا من أجل الأمل المفقود حتى و لوكنا في هامش الهامش…؟
يمتلئ بيتي بالساعات المتوقفة، ساعة الصالون متوقفة منذ زمن عند الرابعة والربع، غرفة الضيوف عند الثامنة وخمس دقائق، غرفة النوم عند السابعة والثلث، وغرفة الجلوس محايدة عند الساعة 12 تماماً..
ضبط الوقت لا يحتاج إلى أكثر من بضعة أزواج من البطاريات فتعود الساعات إلى العمل وتتصحح القراءات، لكني لا أتدخل على الإطلاق، أنا مرتاح للتفاوت الزمني، أحس أني في قارات ودول مختلفة فينعدل المزاج ويطير الخيال على الرغم من أن بيتي أوسع من غرفة المدخنين في المطارات بقليل، ثم إنني أحترم قرار الساعات بالتوقف عن العمل، إنها مهنة بائسة أن تبقى تصدر الصوت نفسه طوال عمرك برتابة وهدوء “تك.. تك.. تك.. تك”، ينظر إليها المستعجلون إلى مدارسهم ووظائفهم، يتأففون إذا صارحتهم بتأخيرهم، ولا تتلقّى أي ثناء إذا أعطتهم وقتاً إضافياً للمواعيد أو الخروج، ينام الناس وهي تحرس الوقت طوال الليل، لا تهدأ ولا تتثاءب ولا تنام، لا يستطيع أي من العقربين أن يأخذ إجازة سنوية أو أسبوعية أو حتى مرضية، يلتقيان عند بعض الأرقام لثوانٍ معدودة ثم يفترقان دورة كاملة..
إنها مهنة شاقة أن تكون معلقاً على الحائط كصور الموتى، بل صور الموتى أكثر عاطفة، فهي توحي بذكرى وابتسامة، أما الساعة فمشغولة بقراءة الزمن وحمايته كي لا ينزلق خارج الإطار الذهبي أو الخشبي، لا فرق..
أحب الساعات المتوقفة أكثر من تلك العاملة، أحترم موقفها الحازم بالرغبة في التقاعد، وترك الزمان للساعات اليدوية وساعات الهواتف النقالة، هي تريد أن تتأمل الوجوه أكثر، تستمع للحديث، لشخير الأطفال أثناء الليل، هي لا تحب أن تسمع صوتها المملوء “بالتكّات” التي يضيق بها القلقون والأرقون الذين يلجؤون إلى إخراسها قبل تناول حبتَي المنوّم، اختارت هذه الساعة وكمشة الدقائق عنواناً أخيراً لمسيرة عقاربها، هنا حطّت رحالها وتركت الزمن لمجتهدين آخرين في أرجاء المكان.
حتى المنبّهات التقليدية لا أحاول إصلاحها أو استبدال بطارياتها، كلما عطل واحد رفعته فوق مكتبتي.. المنبّه يذكّرني بإقليم اسمه تاونات.. نطلب من المسؤولين أن يخرجونه من سباته الذي طال؟ وأن يوقظوه من غفوته، لكن ما إن يبدأ بالرنين، حسب التوقيت المطلوب، يسارع البعض إلى إسكاته بأي طريقة كانت..
الوقت أكثر من مجرد متابعة وقراءة شيء على مدار الساعة، إنه شعور لدينا في رؤوسنا وأجسادنا، ويتخطى ذلك إلى إيقاعات أفعال الأشخاص..
توقف الوقت ليس مشكلة تقنية، إنه فعل انساني..