من وهج الكلمة إلى زمن الاستباحة.. حين يتحول الترامي على الصحافة إلى مهنة لمن لا مهنة له

فلاش 24: هيئة التحرير

أثار النقاش الذي فتحه الزميل سفيان إنجدادي والأخ محمد عبيد حول واقع المشهد الصحفي والإعلامي بإقليم إفران، كثيرا من الأسئلة التي لا ينبغي أن تبقى حبيسة المجاملات أو الحسابات الضيقة. فالقضية، في تقديري، لم تعد مرتبطة بأسماء بعينها، ولا بخلاف عابر بين مهنيين، وإنما أصبحت مرتبطة بسؤال أكبر: إلى أين تتجه الصحافة حين يصبح الترامي على صفتها أمرا عاديا، وحين يجد هذا الترامي من يفتح له الأبواب ويمنحه الاعتراف؟
لقد ولجنا هذا المجال في زمن كانت فيه الصحافة تؤخذ عن أهلها، وتصقل بالتجربة، وتبنى بالبحث والتحقق والكتابة والمراسلة. كان الصحفي يعرف بما يكتب وينجز، لا بما يحمله من بطاقة أو بما يعلنه عن نفسه في صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي.

أما اليوم، فقد أصبحنا أمام مشهد مختلف، تتداخل فيه الصحافة بالإشهار، والمعلومة بالرأي، والصفحة بالمنبر الإعلامي، والهاتف الذكي بصفة الصحفي، حتى صار المجال مفتوحا أمام من لا تكوين له، ولا تجربة، ولا إنتاج صحفي حقيقي، بل وربما لا يعرف من أبجديات المهنة إلا كيفية فتح بث مباشر أو التقاط صورة ونشرها.
من شجع على هذا الوضع؟ وما الغاية منه؟
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: من ينتحل صفة الصحفي؟ بل أيضا: من يشجعه؟ ومن يمنحه الفرصة؟ ومن يستقبله بصفته المهنية دون التأكد من صفته القانونية والمهنية؟
فالظاهرة لا يمكن أن تستمر بهذه الصورة دون وجود بيئة تساعدها على الانتشار، سواء عن طريق التساهل، أو غياب التدقيق، أو منح الاعتمادات دون معايير واضحة، أو استدعاء أشخاص لا علاقة مهنية ثابتة لهم بالصحافة إلى أنشطة وفعاليات يفترض أن تحظى بتغطية إعلامية مسؤولة.
وهنا يصبح من المشروع طرح سؤال أكثر إزعاجا: هل نحن أمام مجرد فوضى مهنية، أم أن هناك مصالح معينة تستفيد من هذه الفوضى؟
فحين يصبح الصحفي المهني الذي يسأل ويحقق ويدقق أقل ترحيبا من شخص يكتفي بالتصوير والترويج، فإن الخلل لا يعود في الصحفي وحده، بل في البيئة التي تكافئ هذا السلوك.
وحين يتم التعامل مع منتحلي الصفة كما يتم التعامل مع المهنيين، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع واضحة: لا حاجة إلى التكوين، ولا إلى الخبرة، ولا إلى الالتزام، يكفي فقط أن تحمل هاتفا وصفحة وبطاقة كيفما كان مصدرها.
البطاقة ليست صحافة
من أكثر الظواهر التي تستحق الوقوف عندها الحديث عن بطاقات اعتماد تتداول بمقابل مالي، تتحدث بعض المعطيات المتداولة عن مبالغ في حدود 250 أو 300 درهم مقابل الحصول عليها.
وإذا ثبتت مثل هذه الممارسات، فإن الأمر لا يتعلق فقط ببطاقة، وإنما بتحويل الصفة الصحفية إلى سلعة.
فالصحافة ليست بطاقة تشترى، ولا شارة تعلق حول العنق، ولا صفة تمنح مقابل مبلغ مالي. الصحفي الحقيقي تثبته ممارسته، وإنتاجه، والتزامه بالقواعد المهنية، وانتماؤه الفعلي إلى منبر قانوني يمارس نشاطه وفق المقتضيات المنظمة للمهنة.
كما أن أي بطاقة أو اعتماد لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لفرض الحضور أو اقتحام الفضاءات أو الحصول على امتيازات لا يستحقها حاملها مهنيا.
صفحات تقدم نفسها كجرائد:
وتزداد الصورة تعقيدا مع وجود صفحات إلكترونية يقدم أصحابها أنفسهم من خلالها باعتبارها «جرائد» أو منابر إعلامية، دون استيفاء الشروط القانونية والمهنية اللازمة.
وهنا لا بد من التفريق بين صفحة شخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، وبين منبر صحفي إلكتروني يمارس نشاطه وفق الإطار القانوني المنظم للصحافة والنشر.
فليس كل اسم تجاري أو صفحة تحمل كلمة «جريدة» تصبح جريدة، وليس كل من يكتب في موقع للتواصل الاجتماعي صحفيا، كما أن استعمال الصفة الصحفية لا يمكن أن يكون مجالا مفتوحا لكل من يرغب في اكتسابها.
المسؤولية لا تقع على المنتحل وحده/
إن مواجهة هذه الظاهرة لا ينبغي أن تتوقف عند الشخص الذي ينتحل صفة الصحفي، بل يجب أن تمتد إلى كل من يشجعه أو يستقبله أو يمنحه اعتمادا أو يفسح له المجال على حساب المهنيين الحقيقيين.
فالجهة التي تنظم نشاطا عموميا وتدعو أشخاصا بصفتهم الصحفية مطالبة، من باب المسؤولية، بالتأكد من صفتهم المهنية.
والجهة التي تمنح الاعتماد مطالبة بأن تعرف لمن تمنحه، وعلى أي أساس، ولأي غرض.
والجهة التي تفتح فضاءاتها للصحافة مطالبة بالتمييز بين الصحفي المهني وبين من يحضر فقط للاستفادة من امتيازات الصفة.
أما الاستمرار في التعامل مع الجميع بالطريقة نفسها، فهو في النهاية مساهمة في تكريس الوضع القائم.
الصحافة الجادة مطالبة بالموقف
لقد آن الأوان، في تقديري، لأن تعيد الصحافة الجادة ترتيب أوراقها، وأن تتجاوز منطق المجاملة، خصوصا حين يتعلق الأمر بهيبة المهنة ومستقبلها.
ومن هذا المنطلق، فإن مقاطعة الأنشطة والفعاليات التي تمنح صفة الصحفي لمن لا تتوفر فيه الشروط المهنية والقانونية، أو التي تساوي بين المهني وغير المهني، يمكن أن تكون موقفا مهنيا مشروعا، متى اتخذت بشكل جماعي ومسؤول وواضح.
لا يتعلق الأمر بإقصاء أحد، ولا بمحاربة أشخاص، وإنما بالدفاع عن مهنة أصبحت مهددة في صورتها ومصداقيتها.
فالصحافة الجادة لا ينبغي أن تكون مجرد ديكور في الأنشطة، ولا أن تكون وسيلة لرفع عدد المشاهدات أو الصور المنشورة، وإنما شريكا مهنيا ومسؤولا في نقل الحقيقة إلى الرأي العام.
لا بد من المحاسبة المؤسسية
إن استمرار الوضع على ما هو عليه يفرض على الجهات المعنية أن تتحمل مسؤوليتها، كل من موقعه، في مواجهة ظاهرة انتحال الصفة والتلاعب بالاعتمادات والخلط بين الصفحات الشخصية والمؤسسات الصحفية.
وإذا كانت هناك بالفعل حالات لبيع بطاقات صحفية، أو منح صفات مهنية لأشخاص لا يمارسون الصحافة فعليا، فإن الأمر يستحق التحقق والتدقيق، وترتيب المسؤوليات وفق ما يثبته البحث والوثائق، بعيدا عن الاتهامات المجانية أو التشهير بالأشخاص.
كما أن الجهات المنظمة للتظاهرات والأنشطة العمومية مطالبة بوضع معايير واضحة للاعتماد، وعدم الاكتفاء ببطاقة يحملها شخص ما، بل التحقق من المنبر الذي يمثله ومن صفته المهنية.
لنحم ،الصحافة قبل أن نفقد معناها
الصحافة ليست امتياز اجتماعيا، وليست وسيلة للحصول على مقعد في الصفوف الأمامية، ولا بطاقة للولوج إلى فضاء معين.
الصحافة مسؤولية.
والصحفي الحقيقي قد يخطئ، لكنه يعرف أن الخطأ يصحح، وأن الخبر يحتاج إلى تحقق، وأن النقد له حدود، وأن الإنسان وكرامته ليست مادة للاستهلاك.
أما تحويل المهنة إلى مجال مفتوح لكل من يريد الظهور، فمعناه أننا لا نحمي الصحافة من الداخل، بل نتركها تتحول تدريجيا إلى شيء آخر لا علاقة له برسالتها.
ولهذا فإن مواجهة ظاهرة الترامي على الميدان الصحفي والإعلامي ليست حربا على الأشخاص، وإنما دفاع عن المهنة وعن حق المجتمع في إعلام مهني ومسؤول.
ومن شجع هذه الظاهرة، أو منحها الشرعية، أو تعامل معها بمنطق المصلحة والظرفية، عليه أن يدرك أن المسؤولية لا تقع فقط على من يمارس الترامي، وإنما أيضا على من يفتح له الباب.
لقد حان الوقت لكي نقولها بوضوح:
لا للصحافة التي تشترى بطاقتها، ولا للصفة التي تمنح بلا استحقاق، ولا للمنابر الوهمية، ولا لمن ينتحل صفة ليست له، ولا لمن يساهم في تطبيع هذه الممارسات.
فالصحافة الجادة لن تحميها كثرة الصفحات، ولا عدد البثوث المباشرة، ولا أرقام المشاهدات، وإنما يحميها القانون، والتكوين، والاستحقاق، والأخلاق، وضمير مهني لا يُشترى ولا يباع.
وإذا كان زمن وهج الكلمة قد واجه اليوم زمن الاستباحة، فإن المعركة الحقيقية ليست على من يظهر أكثر، وإنما على من يستحق أن يحمل اسم الصحافة، ومن يتحمل مسؤولية الكلمة أمام المجتمع.

من وهج الكلمة إلى زمن الاستباحة.. حين يتحول الترامي على الصحافة إلى مهنة لمن لا مهنة له
التعليقات (0)
اضف تعليق