حين صمتت المدرجات… وتكلم التاريخ : ميشيل كوكا يعيد لومومبا إلى قلب إفريقيا .
تقرير فلاش 24.. محمد المالكي حنيفرة.
في زمن تحولت فيه الملاعب إلى فضاءات صاخبة ، تعج بالهتافات والعروض السطحية ، وتتنافس فيها الأصوات أكثر مما تتنافس القيم ، برز مشجع استثنائي كسر القاعدة وغير معنى التشجيع .
لم يأت ليصرخ أو يلوح بلافتة ، بل جاء ليقف… فقط .
إنه ميشيل كوكا مبولادينغا ، المشجع الكونغولي الذي حمل إلى مدرجات كأس أمم إفريقيا 2025/2026 أكثر من علم وطنه ؛ حمل ذاكرة قارة ، وجرح تاريخ ، ورسالة صمت هزت الوجدان .
بينما كانت العيون مشدودة إلى المستطيل الأخضر ، والاذان مثقلة بضجيج الجماهير ، كان وجود ميشيل في المدرجات حدثا موازيا ، بل أعمق من مجريات المباريات . حضوره لم يكن عاديا ، بل كان موقفا، ومشهدا إنسانيا مكثفا ، يختزل علاقة الرياضة بالذاكرة ، والتشجيع بالقضية ، والصمت بالمقاومة.
لأكثر من تسعين دقيقة ، ظل ميشيل واقفا في صمتٍ تام ، مرتديا زيا مستوحى من شخصية باتريس لومومبا ، أحد أعظم رموز النضال الإفريقي في القرن العشرين .
لا شعارات ، لا تصفيق ، لا حركات استعراضية . فقط جسد ثابت ونظرة مشحونة بالمعنى . وكأن تلك الوقفة كانت خطبة غير منطوقة ، أو بيانا سياسيً ا كتب بلغة الصمت .
في عالم اعتاد قياس الحضور بعلو الصوت ، جاء ميشيل ليذكرنا بأن بعض الرسائل لا تحتاج إلى مكبرات ، وأن الصمت حين يكون واعيدا ، يتحول إلى أقوى أشكال التعبير .
– لماذا لومومبا؟
لم يكن اختيار باتريس لومومبا وليد الصدفة . فالرجل الذي كان أول رئيس وزراء للكونغو المستقلة ، ظل رمزا للتحرر الإفريقي في مواجهة الاستعمار والهيمنة الغربية . اغتياله سنة 1961 ، في جريمة سياسية مروعة شاركت فيها أياد استعمارية بلجيكية ، لم يكن فقط إنهاء لحياة زعيم ، بل محاولة لإسكات حلم قارة بأكملها .
من تصفيته الجسدية ، إلى إذابة جثمانه في الحامض ، بقي اسم لومومبا شاهدا على وحشية الاستعمار ، وعلى ثمن الحرية في إفريقيا . لكن صوته لم يمت ، خصوصا ذلك الخطاب التاريخي الذي قال فيه :
“سنري العالم ما يمكن أن يفعله الرجل الأسود حين يعمل وهو حر ، وسنجعل من الكونغو فخرا لإفريقيا .”
بهذا المعنى ، لم يكن ميشيل يقلد لومومبا ، بل كان يعيد إحياءه رمزيدا ، ويؤكد أن النضال لا ينتهي باغتيال أصحابه ، بل يستمر في الذاكرة والمواقف .
الصمت الذي يتكلم
وسط صراعات الهويات الكروية ، والانقسامات التي تغذيها المنافسة الرياضية ، جاء ميشيل ليطرح هوية أخرى :
هوية الوعي، والذاكرة، والانتماء التاريخي .
كان يقول ، دون أن ينطق : لا تستهينوا بصمتنا ، فالصمت أحيانا لغة الشعوب التي أنهكت من الكلام ولم تنصف.
وقوفه الصامت لم يكن طلبا للتعاطف ، ولا سعيا وراء الأضواء ، بل دعوة مفتوحة للتفكير . كل دقيقة تمر وهو ثابت في مكانه ، كانت بمثابة سؤال موجه للعالم : ماذا تبقى من الحرية التي حلم بها لومومبا ؟ وماذا نفعل نحن بذاكرتنا الجماعية ؟.
ما فعله ميشيل كوكا كان تحديا صريحا للنمط التقليدي للتشجيع وللمنتج الإعلامي الرياضي السائد . ففي ملعب تلاحق فيه الكاميرات الأهداف والنجوم ، فرض هو نفسه كقصة موازية ، بلا حركة ، بلا صوت ، لكن بحضور طاغ .
لقد أثبت أن الرياضة ليست مجرد ترفيه ، بل يمكن أن تكون منصة ثقافية ، ومساحة للمقاومة الرمزية ، ومرآة لقضايا الشعوب . في وقفته تلك، تحولت المدرجات إلى منبر ، والمباراة إلى خلفية ، والتاريخ إلى لاعب أساسي.
إرث ميشيل كوكا مبولادينغا لا يقاس بعدد الصور المتداولة، ولا بحجم التغطية الإعلامية ، بل بتلك اللحظة التي أجبر فيها العالم على التوقف ، ولو لثوان ، للتفكير في الكونغو ، وفي إفريقيا ، وفي معنى الحرية .
إنها رسالة تتجاوز الزمن ، وتذكير مؤلم وجميل في آن واحد ، بأن هناك قضايا أسمى من كرة القدم ، وبأن الصمت ، حين يكون مشبعا بالوعي ، يمكن أن يهز الضمائر أكثر من أي خطاب .
لن ينسى المغاربة، ولا الأفارقة ، صورة ذلك المشجع الكونغولي الصامت ، الذي كتب في ذاكرة كأس أمم إفريقيا درسًا بليغا :
في عالم يعج بالكلام… يظل للصمت أحيانًا القول الفصل .