تاونات.. ظلمة الصباح وقساوة المناخ تعيدان مطلب إلغاء “الساعة الإضافية” بالمدارس

0 1٬238

عادل عزيزي

في صباحات إقليم تاونات في هذا الفصل الشتوي، حيث المطر لا يتوقف، والبرد ينفذ إلى العظام، يخرج آلاف التلاميذ من بيوتهم قبل أن تشرق الشمس، حاملين محافظهم الصغيرة، ومخاوف أكبر من أعمارهم، تحت جنح الظلام، وعلى طرق موحلة ومنحدرات خطرة، تبدأ معاناة يومية صامتة فرضها توقيت مدرسي لا يرحم، وكرسته “الساعة الإضافية” دون اعتبار لخصوصيات المكان أو قسوة المناخ.
ما يحدث اليوم في تاونات، ومعها أقاليم جبلية وقروية عديدة، ليس مجرد انزعاج عابر أو تذمر موسمي، بل وضع تربوي مقلق يمس بشكل مباشر صحة الأطفال وحقهم في تعليم آمن ومنصف، فالتحاق التلاميذ بمؤسساتهم في الثامنة والنصف صباحا، خلال أيام لا يتجاوز فيها الضوء هذا التوقيت أو يتأخر عنه، يفرض عليهم الاستيقاظ مع أذان الفجر، وقطع مسافات طويلة وسط أمطار غزيرة وبرودة قاسية.
ظلام وانخفاض في درجة الحرارة
حرص المتعلمات والمتعلمين بمختلف مستوياتهم الدراسية على الوصول إلى مؤسساتهم التعليمية في الوقت المحدد يجبرهم، بوتيرة يومية تقريبا، على الاستيقاظ من النوم مع أذان صلاة الصبح الذي يرفع حوالي الساعة السابعة فجرا، وبالتالي قطع المسافات بين المنازل والفصول الدراسية تحت جنح الظلام.
تزداد المشقة حدة خلال هذه الأيام المتسمة بانخفاض درجة الحرارة التي تتراجع أحيانا إلى ما دون الصفر، إضافة إلى التساقطات المطرية التي تعيشها البلاد خلال الأيام الجارية، مما يتسبب في إلحاق أضرار نفسية وصحية بالتلاميذ المجبرين على الالتزام بالتوقيت المحدد من طرف وزارة التربية الوطنية عبر مصالحها المركزية والجهوية والإقليمية.
تفاعلا مع هذه الأوضاع، لجأ عدد من الآباء والأمهات، في الآونة الأخيرة، إلى مواقع التواصل الاجتماعي، من أجل التعبير عن معاناتهم اليومية جراء اضطرارهم إلى الاستيقاظ باكرا وإعداد أبنائهم للخروج من المنازل وسط الظلام الدامس، تفاديا للوصول إلى المدارس في وقت متأخر وتفويت فرصة التحصيل الدراسي اللازم.
مدرسة في مواجهة الطبيعة… والطفل هو الضحية
في إقليم تاونات، حيث تتضاعف التساقطات المطرية وتنخفض درجات الحرارة بشكل لافت، تتحول الطريق إلى المدرسة إلى مغامرة يومية محفوفة بالمخاطر، أطفال صغار يعبرون الأودية، وأراضي زلقة، ومسالك جبلية وعرة، فقط لأن توقيتا مركزيا فرض دون أدنى مرونة أو استحضار للواقع المحلي.
أي منطق تربوي هذا الذي يطالب تلميذا بالتركيز داخل القسم، وهو يصل منهكا، مبللا، مرتجفا من البرد؟ وأي جودة تعليم يمكن الحديث عنها، حين يدفع الطفل إلى مقاعد الدراسة قبل أن يستعيد جسده توازنه الطبيعي؟
آثار نفسية وصحية لا يمكن تجاهلها
تؤكد التجربة اليومية للأسر أن هذا التوقيت يخلف آثارا نفسية وصحية واضحة، قلة النوم، ضعف التركيز، تراجع الدافعية، وارتفاع حالات التغيب، خصوصا في الوسط القروي، ومع استمرار هذه الظروف، يصبح الهدر المدرسي خطرا حقيقيا، لا نتيجة لضعف التحصيل، بل بسبب إرهاق متراكم تسهم فيه السياسات الزمنية أكثر مما تعالجه.
ورغم الخطاب الرسمي الذي يرفع شعار “مصلحة المتعلم”، فإن الواقع يظهر أن المتعلم هو الحلقة الأضعف في معادلة تدار بمنطق إداري جامد، أقرب إلى حسابات الساعة منه إلى نبض الطفل.
غضب الأسر… وصمت القرار
أمام هذا الوضع، عبرت أسر كثيرة بإقليم تاونات عن استيائها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مطالبة بتغيير مواعيد الدراسة الصباحية خلال فصل الشتاء، مطالب بسيطة، معقولة، وإنسانية، السماح للتلاميذ بالالتحاق بالمدارس بعد طلوع الشمس، حفاظا على صحتهم وسلامتهم.
غير أن هذا الصوت المجتمعي، المتجدد كل شتاء، لا يزال يصطدم بصمت القرار، وبالاستمرار في اعتماد توقيت “غرينيتش +1” كخيار ثابت، رغم أن آثاره السلبية تتفاقم في المناطق الباردة والجبلية، حيث يصبح الليل أطول، والمعاناة أشد.
نحو قرار شجاع يضع الطفل أولا
إن تأخير الالتحاق بالمؤسسات التعليمية إلى الساعة التاسعة أو التاسعة والنصف صباحا، خلال فصل الشتاء، ليس مطلبا تعجيزيا، ولا خروجا عن الزمن المدرسي، بل إجراء بديهي ينسجم مع مبادئ العدالة المجالية والإنصاف التربوي.
فالمدرسة التي ترغم الطفل على مواجهة المطر والبرد والظلام، قبل أن تمنحه فرصة التعلم في ظروف إنسانية، مدرسة تقوض رسالتها بيدها، وإذا كانت الحكومة جادة في حديثها عن إصلاح التعليم، فإن أول اختبار حقيقي لذلك هو الشجاعة في مراجعة قرارات تمس الحياة اليومية للتلاميذ، لا الاكتفاء بالشعارات.
في إقليم تاونات، حيث الطبيعة قاسية والمسافات طويلة، يصبح تأخير ساعة الدخول إلى الأقسام ليس مطلبا ظرفيا، بل ضرورة ملحة واختبارا حقيقيا لصدق الحديث عن الإنصاف وجودة التعليم، فالطفل لا يجب أن يتعلم تحت القهر، ولا أن يصل إلى المدرسة منهكا قبل أن يبدأ الدرس، كما لم تعد “الساعة الإضافية” مجرد اختيار إداري، بل تحولت إلى امتحان يومي يفرض على أطفال لم يستشاروا، ولا يملكون سوى أجسادهم الصغيرة لمواجهة البرد والظلام والمطر، إن الإصرار على هذا التوقيت، رغم ما يخلفه من إنهاك نفسي وجسدي، ليس حيادا، بل قرار له ثمن يدفعه التلميذ وحده.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.