تاونات… حيث تغيب المشاريع و تحضر الضرائب

0 302

عادل عزيزي
في الرباط، تعقد الدورات لمناقشة المدن الذكية.
في الدار البيضاء، تفتح الملفات لجلب المستثمرين وتوسيع الأوراش.
في طنجة، ترسم خرائط المستقبل وتعبد طرق الصناعة.
أما في تاونات… فكان لها موعد آخر مع “العبقرية”..
هنا لا يناقشون مشروعا، ولا يختلفون حول مصنع، ولا يتجادلون حول مدرسة أو مستشفى.
هنا تعقد الدورات من أجل “تحيين” الضريبة على الفراغ…
نعم، على اللاشيء، على الصمت، على التراب الذي لم يطلب شيئا من الدولة منذ عقود..
اجتمعت العقول، وتبادلت النظرات، وامتلأت القاعة بالجدية، كأن قرارا مصيريا يغير وجه المدينة قادم لا محالة…
ثم خرجوا علينا بهذا “الإنجاز التاريخي”، رفع الضريبة على الأراضي “الحضرية” غير المبنية!
وكأن الخطر الذي يهدد مستقبل تاونات هو التربة، لا البطالة..!
وكأن العدو الأول هو الفراغ، لا التهميش..!
وكأن المشكلة في الأرض، لا في من تركها بلا تنمية، لا مصانع، لا طريق، ولا حياة..!
هنا، لا تقاس قيمة الأرض بما يمكن أن تنتجه، بل بما يمكن أن يؤخذ منها.
لا يهم إن كانت قاحلة، جرداء، منسية، تتقاسمها الحجارة والشوك…
يكفي أنها ما تزال تتنفس على الخريطة، وهذا سبب كاف لأن تعاقب.
صار الفقر هنا لا يعالج، بل يحاسب..
صار العجز ملفا ضريبيا..
صار الصبر بندا في قانون الجبايات..
في تاونات التي تلتهمها البطالة،
وتغادرها الأدمغة على شكل حافلات مكتظة بالحلم،
وتبحث فيه الأمهات عن طبيب..
ويبحث فيه الأطفال عن مدرسة..
ويبحث فيه الآباء عن عمل…
ويبحث فيه الجميع عن أمل منشود..
اختارت التنمية أن تمر من الجيوب الفارغة..!
والمفارقة الأكثر قسوة، أن تاونات التي لم تنجح في جلب مشروع تنموي واحد يليق باسمها، نجحت وبامتياز في جلب ضريبة جديدة، أنيقة، حديثة، “عصرية”، وموجهة بدقة إلى من لا يملك إلا الصمت.
أما من يفترض فيهم أن يكونوا صوت تاونات، “البرلمانيون” فقد اختاروا الصمت أيضا…
صمتا لامعا، مصففا، جاهزا، للصور التذكارية ” السيلفيات”، صمتا لا يوجع الحنجرة ولا يزعج الكراسي الوثيرة..!
ربما لأن تاونات، في عرف البعض، ليست “قطبا اقتصاديا”..
ليست “عاصمة مال وأعمال”..
إنها فقط رقم في خريطة انتخابية… وخزان صبر طويل الأمد.
وهكذا، في مفارقة وطنية عجيبة، من يملك فيلا فاخرة في المدن الكبرى يشجع،
ومن يملك قطعة أرض ميتة في تاونات يعاقب..!
من يبني يحفز..
ومن يعجز يستنزف..
في تاونات، لم تعد المواطنة علاقة انتماء…
بل صك أداء..
ولم تعد الأرض تاريخا وذاكرة…
بل فاتورة تنتظر التوقيع..!
وهكذا تتحول التنمية إلى نكتة ثقيلة،
وتتحول الجباية إلى المشروع الوحيد الذي لا يفشل أبدا.
وتتحول تاونات، شيئا فشيئا، من إقليم منسي… إلى فاتورة مفتوحة على الدوام.
هنيئا لنا إذن… فقد صرنا نملك أراضي حضرية بلا مدن..
ومجالا استثماريا بلا استثمار..
وتنمية بلا نفس..
مع فارق واحد فقط، الضريبة حية ترزق، لا تهمش، لا تقصى ولا تجف..
فصفقوا إذن لهذا التدبير “العبقري”،
ولهذه المعادلة الاقتصادية الجديدة، حين حيث تغيب المشاريع… تحضر الضرائب..!؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.