العقوبات البديلة ورهان تحسين فعالية العدالة الجنائية المغربية؟

0 262

 

ذ. بوناصر المصطفى

 

شكلت حالة الاكتظاظ في السجون المغربية معضلة ارقت المسؤولين على مدى الحكومات المتعاقبة، وحاولت كل منها التعاطي مع هده الاشكالية بشكل متفاوت انطلاقا من قناعة ان اي مبادرة لتوسيع المؤسسات السجنية سواء مجاليا او عديا هو علامة دالة على تصور قاصر وضيق يسيء لوظيفة المرفق، ومؤشر للإصرار على تكريس الجانب الزجري.

بعد انتظار غير مستساغ لا خراج مشروع قانون جنائي طال امد النقاش والتعديل فيه، استدعي التفكير في بدائل فعّالة، فجاء مشروع العقوبات البديلة لتطوير العدالة الجنائية والحكامة في التعاطي مع منظومة الحرية مع تقديم اجتهادات جديدة في فلسفة الردع.

كيف سيستقبل الشعب هدا المقترح بعيدا عن اي مغالطات او سوء فهم؟

ان تقبل وتبني المقترح من قبل الساكنة لابد ان ينطلق من إشراك المجتمع بكل تصنيفاته في النقاشات والندوات حول المشروع، قصد خلق قناعة تعزز الإحساس بالمسؤولية الجماعية، هنا تتأتى وظيفة الاعلام بهدف تيسير عملية الاستيعاب لما هو مستجد، سواء بنشر مقالات او تقارير تسلط الضوء على فوائد هدا البديل القانوني اما بحملات تخلق النقاش والتوعية من خلال منصات الكترونية حوارية تستضيف خبراء ومختصين في قضايا العدالة الجنائية، او تغطية فعاليات اوراش تفتح شهية النقاش حتى يتمكن الجمهور من طرح استفهامات كافية لا شباع فضوله حول المرجع القانوني لهده العقوبات البديلة

كما يمكن التعرض لتجارب دول أخرى طبقت العقوبات البديلة بنجاح لملامسة تأثيرها على تقليل الجريمة وتحسين إعادة تأهيل المدانين، وكدا لتبديد أي شكوك او مخاوف حول مصداقية الطرح، كونه ليس تساهلاً مع الجريمة، بل هو وسيلة لتحقيق العدالة وتحسين أوضاع السجون.

مما لا شك فيه ان تقبل الجمهور لهدا المقترح سوف لن يتم هضمه بسلاسة، بل سيواجه تحديات مضنية بعضها محفوف بتحفظ اجتماعي وثقافي على أساس ان هده العقوبات هي مجرد تعاطف مع الجريمة، كما ان القوانين واللوائح المتعلقة بالعقوبات البديلة قد تفرز تباينا في التنفيذ بين الجهات المعنية، ناهيك على ان توفير برامج التأهيل تتطلب استثمارات إضافية، هدا وان التفريط في الموارد البشرية والمالية اللازمة لتنفيذ البرامج البديلة سيساهم في تعطيل مردوديته، نظرا لصعوبة قياس فعالية العقوبات البديلة وتأثيرها على تقليل الجريمة وإعادة تأهيل المدانين.

ربما سيشكل التعامل مع نظام العقوبات البديلة في تدريب موظفي النظام القضائي عائقا لضمان استدامة المشروع ادا غاب تنسيق الجهود بين مختلف الهيئات الحكومية وغير الحكومية مما يستدعي الاستعداد لتحديات امنية لها أهمية في بناء الثقة داخل المجتمع حول فاعلية هده العقوبات ودرء اي قلق في القاعدة من إمكانية تكرار الجرائم من قبل الأشخاص المدانين حتى لا ينحصر مشروع العقوبات البديلة في تكريس ظاهرة العود الشيء لدلك فالجهود الإعلامية ضرورة ملحة لإزالة أي لبس.

ان مواجهة هذه التحديات تتطلب استراتيجية شاملة تشمل التوعية، التدريب، وتوفير الموارد اللازمة لضمان تنفيذ مشروع العقوبات البديلة بنجاح.

لتجاوز اي تحديات محتملة في تنفيذ هدا المشروع المجتمعي، يمكن اتباع أفضل الاجراءات

– وضع إطار قانوني واضح لعقوبات بديلة تضمن تفاصيل مدرجة عن التطبيق والاجراة

برامج -تخصيص ميزانية كافية لتوفير الموارد البشرية والمالية المطلوب لتطوير وإنشاء

تأهيلية شاملة تضمن التدريب والمساعدة النفسية والاجتماعية.

– تشكيل وإنشاء لجان تنسيقية تضم ممثلين من مختلف الجهات الحكومية وغير الحكومية لتعزيز التعاون.

– إجراء دراسات تقييمية وتنفيذ دراسات دورية لتقييم فعالية العقوبات البديلة وتأثيرها

على معدلات الجريمة.

– جمع البيانات واستخدامها بشكل ادق لمراقبة نتائج البرامج وتعديلها حسب الحاجة

– تدريب الخبراء على كيفية تقديم الدعم للمدانين خلال تنفيذ العقوبات البديلة

– الحفاظ على قنوات للتواصل مفتوحة باستمرار مع المجتمع لضمان الشفافية ودلك بإجراء

استطلاعات رأي دورية لفهم مواقف المجتمع واحتياجاته.

– الاستعانة بوسائل الإعلام لنشر المعلومات الإيجابية حول المشروع وتأثيره على استدامة

المبادرة مع سرد قصص نجاح.

– وضع استراتيجيات تضمن استدامة المشروع وتوفير الدعم المستمر لنجاحه.

– تأمين التمويل بالبحث عن مصادر تمويل إضافية من المنظمات الحكومية وغير الحكومية

– إشراك المجتمع في التخطيط والنقاش وتنفيذ البرامج لضمان تلبيتها لاحتياجاتهم.

ان تنفيذ العقوبات البديلة بنجاح يتطلب تعاوناً شاملاً بين جميع الأطراف المعنية، مع التركيز على قياس البيانات وتحليلها للمؤشرات المنجزة، التعاون المؤسسي، والتواصل الفعّال مع المجتمع.

 

لم يقتصر تطبيق نظام العقوبات البديلة على المغرب فالعديد من الدول قد خطت خطى متقدمة ونجحت في تنزيله حيث ابان عن دوره القيم في تحسين فعالية العدالة الجنائية وتقليل الاكتظاظ في السجون

كنظام السجون المفتوحة بالنرويج والدي يُركز على إعادة التأهيل بدلاً من العقاب

ونظام العقوبات البديلة في المانيا بالعمل في خدمة المجتمع في تنظيف الحدائق أو مساعدة المؤسسات الخيرية

وبرامج تأهيلية للمدانين في سويسرا ويشمل العلاج النفسي والتدريب المهني لتحسين فرصهم في الاندماج الاجتماعي بعد انتهاء العقوبة

وكدا برامج المراقبة بأستراليا حيث يركز على تقديم الدعم للمدانين أثناء فترة العقوبة.

والمشاركة في برامج إعادة التأهيل والعمل في خدمة المجتمع بدلاً من السجن بكندا

بالإضافة الى نظام العقوبات غير السالبة للحرية في السويد بفرض عقوبات عبارة عن غرامات مالية، او تقديم واجبات اجتماعية

وبرامج السجون البديلة المطبقة في العديد من الولايات الأمريكية، مثل كاليفورنيا، كالمراقبة الإلكترونية والعمل المجتمعي.

لقد ابانت هذه الأمثلة دليلاً على أن العقوبات البديلة يمكن أن تكون لها فعّالية في تحسين النظام القضائي وتقليل الاكتظاظ في السجون بالتركيز على إعادة التأهيل بدلاً من العقاب، مما يسهم في تقبل الساكنة لهدا المشروع وهدا يتطلب جهداً مشتركاً من الحكومة والمجتمع والإعلام لتبسيط المفاهيم وتعزيز الثقة من خلال التوعية، والمشاركة المجتمعية، واستخدام الإعلام بشكل فعّال، لتحقيق نجاح هذا المشروع وتحسين النظام القضائي بشكل عام.

 

#فهل سيقتصر الرهان على تقليص معدلات للجريمة واكتظاظ السجون؟

#ام الامر سيراهن على تعزيز التكافل والاندماج الاجتماعي وتحسين فعالية العدالة الجنائية المغربية؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.