بقلم/ سيداتي بيدا
في مشهد علمي وروحي يتجاوز حدود الجغرافيا، يستحضر عمق الروابط الدينية والحضارية التي تجمع المغرب بامتداده الإفريقي، تحولت العاصمة الرباط، اليوم الجمعة، إلى ملتقى قارّي للعلم والمعرفة، مع انطلاق نهائيات الدورة الثالثة لمسابقة مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة في الحديث النبوي الشريف، بمشاركة 123 متسابقاً ومتسابقة يمثلون 48 بلداً إفريقياً.
إنها ليست مجرد مسابقة في حفظ الأحاديث النبوية أو اختبار للقدرات المعرفية، بل محطة علمية تحمل أبعاداً دينية وثقافية ومؤسساتية، وتضع خدمة السنة النبوية الشريفة في صلب مشروع التواصل بين علماء القارة الإفريقية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى مبادرات جادة تحمي الموروث الديني من مظاهر الاختزال وسوء الفهم، وتعيد الاعتبار للمعرفة الشرعية القائمة على التمحيص والتحقيق والتأصيل العلمي.
وتكتسي هذه الدورة أهمية خاصة بالنظر إلى حجم المشاركة الإفريقية، التي تجمع 123 متنافساً ومتسابقة من 48 دولة، في صورة تعكس اتساع دائرة الاهتمام بالحديث النبوي الشريف، وتؤكد أن التنافس في ميادين المعرفة الدينية لا يعترف بالحدود السياسية والجغرافية، بقدر ما يستند إلى وحدة المرجعية العلمية والروحية.
وتجرى هذه النهائيات عبر تقنية التناظر المرئي، في اختيار يعكس توظيف الوسائل التكنولوجية الحديثة لتوسيع المشاركة الإفريقية، وتجاوز إكراهات المسافات والتنقل، بما يتيح للمتنافسين خوض غمار هذه المحطة العلمية دون أن تشكل الحدود الجغرافية عائقاً أمام حضورهم ومساهمتهم.
وتراهن مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، من خلال هذه المبادرة، على ترسيخ ثقافة الاعتناء بالسنة النبوية، وتشجيع الناشئة والباحثين على التعمق في علوم الحديث، وتعزيز مهارات الحفظ والفهم والاستيعاب، إلى جانب إبراز الكفاءات العلمية والدينية التي تزخر بها مختلف المجتمعات الإفريقية.
كما تحمل هذه التظاهرة رسالة تتجاوز نتائج التنافس وترتيب الفائزين، إذ تفتح المجال أمام تعزيز التعاون بين المؤسسات الدينية والعلمية، وتبادل التجارب والخبرات، وتوطيد الروابط التاريخية التي جعلت من المغرب فضاءً للتواصل الديني والعلمي مع بلدان إفريقيا.
وبين 48 دولة و123 متنافساً، ترسم هذه الدورة صورة لإفريقيا وهي تلتقي حول المعرفة النبوية، في موعد يؤكد أن الاستثمار في العلم وصيانة التراث الديني يظلان من أهم مداخل بناء جسور التواصل والتقارب بين الشعوب.