حين انحنت البروتوكولات احتراما للعقيدة كأس العالم 2026 يبعث رسالة حضارية المقدسات ليست تفصيلا هامشيا

0 16

بقلم/ سيداتي بيدا

في زمنٍ تتسابق فيه الأمم لإبراز هويتها الثقافية والدينية وسط عالم يزداد تشابكاً وتعقيداً، برزت خلال منافسات كأس العالم 2026 لفتة استثنائية حملت من الدلالات ما يفوق بكثير حدود مباراة في كرة القدم. فقد حرص المنظمون، خلال المواجهة التي جمعت المنتخب السعودي بنظيره الأوروغواياني، على عدم وضع العلم السعودي على أرضية الملعب ضمن المراسم المعتادة، احتراماً لما يتضمنه من شهادة التوحيد، أقدس عبارة في وجدان المسلمين.
قد يراها البعض مجرد تفصيلة بروتوكولية عابرة، غير أن المتأمل في أبعادها يدرك أنها تعبير راقٍ عن وعي حضاري يحترم الخصوصيات الدينية والثقافية للشعوب. فالعلم السعودي لا يمثل دولة فحسب، بل يحمل رمزاً عقائدياً يتجاوز الحدود الجغرافية ليعبر عن عقيدة يؤمن بها مئات الملايين حول العالم، الأمر الذي يمنحه مكانة خاصة تستوجب التعامل معه بما يليق بقدسيته.
إن القيمة الحقيقية لهذا المشهد لا تكمن في الإجراء ذاته، بل في الرسالة التي حملها. فالعالم الذي يرفع باستمرار شعارات التعددية والاحترام المتبادل مطالب بتحويل تلك الشعارات إلى ممارسات ملموسة. والاحترام الحقيقي لا يُقاس بعدد البيانات والخطابات، بل يظهر حين تُصان الرموز التي تمثل وجدان الأمم ومقدساتها.
لقد أثبتت هذه المبادرة أن الرياضة قادرة على أداء دور يتجاوز التنافس والنتائج، لتصبح مساحة للتفاهم الإنساني والتقدير المتبادل بين الثقافات المختلفة. كما أكدت أن الاعتراف بخصوصية الآخر لا ينتقص من أحد، بل يرفع من مستوى الوعي الجماعي ويعزز قيم التعايش القائمة على الاحترام المتبادل لا على الإلغاء أو التهميش.
وفي خضم الجدل العالمي المتزايد حول الهوية والانتماء والرموز الدينية، جاءت هذه الصورة لتؤكد حقيقة بالغة الأهمية؛ وهي أن الانفتاح على العالم لا يعني التخلي عن الثوابت، وأن التعايش لا يتحقق بإذابة الفوارق، بل باحترامها والتعامل معها بوعي ومسؤولية.
لقد كانت لحظة صامتة في ظاهرها، لكنها بالغة البلاغة في معناها. لحظة أكدت أن القيم لا تزال قادرة على فرض حضورها حتى في أكثر المحافل الدولية صخباً وجماهيرية، وأن احترام المقدسات يظل عنواناً للرقي الحضاري مهما اختلفت اللغات والثقافات.
وهكذا، قبل أن تتحرك الكرة فوق المستطيل الأخضر، كانت الأخلاق قد سجلت هدفها الأول، وكان الاحترام قد حقق انتصاره الأجمل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.