خنيفرة رمز مقاومة لا مادة للسب و الاحتجاج المشروع لا يبرر إهانة المدن والنساء
من حق الأسر المتضررة من قرارات الإفراغ أو الهدم أن تحتج، ومن حق العسكريين المتقاعدين وذويهم أن يدافعوا عن مطالبهم الاجتماعية والقانونية بكل الوسائل السلمية التي يكفلها القانون، غير أن هذا الحراك الذي تعرفه منطقة ديور العسكر بمدينة الدار البيضاء في الآونة الأخيرة، يعكس حجم الاحتقان الذي بات يرافق هذا الملف الحساس، خاصة في ظل مطالب متزايدة بإيجاد حلول منصفة تحفظ كرامة المتضررين وتراعي أوضاعهم الاجتماعية،

ومن الملاحظ أن تغطيات محلية وثقت منذ يوليوز 2024 احتجاج أسر جنود متقاعدين ضد تنفيذ أحكام إفراغ، مع تأكيد المحتجين وقتها أن الأمر يتعلق بسكن اجتماعي لا وظيفي، كما واصلت تقارير أخرى خلال 2025 و2026 رصد استمرار الاحتجاجات واستئناف عمليات هدم وإفراغ بمحيط الحي العسكري ومناطق مجاورة له.
غير أن أخطر ما يقع أحيانا في مثل هذه الملفات ليس فقط التوتر الاجتماعي، بل انزلاق بعض الخطابات إلى منحدر الإهانة الجماعية. فحين تستدعى مدينة كاملة، أو جهة بأكملها، أو نساء منطقة بأسرها، في لغة التحقير والتشبيه السوقي، فإننا لا نكون أمام “رأي” أو “زلة لسان” فقط، بل أمام اعتداء رمزي على الكرامة الجماعية، وعلى ذاكرة الناس، وعلى صورة مجتمع كامل لا يجوز اختزاله في عبارة ساقطة أو انفعال عابر.
خنيفرة ليست كلمة جاهزة في قاموس السباب. خنيفرة، بحسب الموقع الرسمي لجماعتها، مدينة تقع بين جبال الأطلس المتوسط على ارتفاع 826 مترا، وتعد عاصمة قبائل زيان الأمازيغية، ويرتبط اسمها بتاريخ المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي، وخاصة بانتصار معركة لهري سنة 1914 بقيادة موحا أوحمو الزياني. لذلك فالإساءة إلى خنيفرة ليست إساءة إلى حيّز جغرافي فحسب، بل إلى صفحة مضيئة من الذاكرة الوطنية المغربية.
ومن يجهل خنيفرة يجهل أن الأطلس لم يكن يوما هامشا أخلاقيا كما يحاول بعض الجهلة تصويره، بل كان خزانا للكرامة والصبر والمقاومة والهوية. ويكفي أن بوابة Maroc.ma تدرج “أحيدوس” ضمن عناصر التراث غير المادي لجهة بني ملال-خنيفرة، بما يحمله هذا الفن من دلالات جماعية على التماسك والاحتفال والهوية الأمازيغية المتجذرة. مدينة بهذا العمق التاريخي والثقافي لا يجوز أن تختزل في صورة مهينة، ولا أن تستعمل كاستعارة رخيصة داخل سجال اجتماعي أو احتجاجي.
ثم إن الخلاف حول السكن، مهما اشتد، لا يبيح لأحد أن يطعن في شرف المدن أو في نساء الجهات. فالمرافعة من أجل الحقوق لا تستقيم إذا بنيت على إهانة حقوق الآخرين. والاحتجاج الذي يطلب الكرامة لنفسه، يفقد جزءا من مشروعيته الأخلاقية حين يصادر كرامة الغير. لهذا فإن الرد الحقيقي على تلك اللغة ليس بلغة مماثلة، بل بتثبيت المعنى: خنيفرة مدينة مقاومة، لا مدينة وصم؛ ونساء الأطلس عنوان كرامة، لا مادة للتشبيه المهين.
أما على مستوى النشر، فإن بعض الجرائد الإلكترونية مطالبة اليوم بمراجعة حسها المهني قبل البحث عن الإثارة. فميثاق أخلاقيات مهنة الصحافة، كما نشره المجلس الوطني للصحافة، يلزم الصحافي بألا ينشر إلا معلومات متحققا من صحتها، ويعتبر التضليل والأخبار الكاذبة وفبركة المحتوى خرقا سافرا، كما يوجب احترام الكرامة الإنسانية، ويرفض الوصم والدعوة إلى الكراهية والسب والقذف، وينص صراحة على عدم تقديم المرأة في صورة تمييزية أو حاطة من كرامتها، وعلى واجب التصحيح ونشر الرد عند الخطأ.
والأمر لا يتعلق بالأخلاق المهنية فقط، بل أيضا بإطار قانوني واضح. فقانون الصحافة والنشر 88.13 يعتبر الجريدة الإلكترونية جزءا من المؤسسة الصحافية، وينظمها باعتبارها خدمة صحافة إلكترونية لها اسم نطاق خاص ونظام إدارة محتوى، كما يفرض عليها التصريح المسبق قبل الصدور، وإظهار معطيات أساسية على الصفحة الرئيسية. وفي قضايا القذف أو السب أو الاعتداء على الحياة الخاصة، يجيز القانون للقضاء الأمر بسحب المحتوى الصحافي من الجريدة الإلكترونية أو حجب الولوج إليه، كما يتيح للمتضررين سلوك مساطر الشكاية وطلب التعويض. وإلى جانب ذلك، يوفر المجلس الوطني للصحافة مسطرة لتلقي الشكايات المتعلقة بأخلاقيات المهنة والقضايا التأديبية.
هنا يبرز السؤال الحقيقي: هل نحتاج إلى “رقابة رقمية”؟ الجواب الأدق هو أننا لا نحتاج رقابة قبلية تخنق حرية الصحافة، لأن الدستور، كما يورده ميثاق الأخلاقيات، ينص على أن حرية الصحافة مضمونة ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية. لكننا، في المقابل، نحتاج إلى شيء لا يقل أهمية: مساءلة مهنية وقانونية فعالة بعد النشر، وتدقيقا تحريريا جديا، وآليات تصحيح سريعة، وشجاعة مؤسساتية في حذف المحتوى المسيء والاعتذار عنه بدل الاحتماء بعدد المشاهدات وعناوين الإثارة.
إن المدن لا تدان بجملة، والجهات لا تشهر بها في لحظة غضب، والنساء لسن وقودا للبلاغة السوقية. وخنيفرة أكبر من إساءة عابرة، لأنها مدينة كتبت اسمها في تاريخ المغرب بالمقاومة والثقافة والهوية. ومن واجب الإعلام أن يرفع مستوى النقاش، لا أن يهبط به. ومن واجب المنصات الرقمية أن تتذكر أن الحرية لا تعني الفوضى، وأن الخبر حين يفقد أخلاقه يتحول من خدمة عمومية إلى أداة أذى .