حين ينتصر الوفاء على الخوارزميات… سعيد الناصري يعيد نجوم الأمس إلى واجهة اليوم
عبدالحق نجيم
في زمنٍ تقاس فيه القيمة بعدد المشاهدات، ويختزل فيه النجاح في أرقام عابرة، اختار الفنان والإعلامي سعيد الناصري أن يسلك طريقا مغايرا. طريق يراهن على الذاكرة، ويمنح الكلمة لمن صنعوا مجد الفن المغربي بعيدا عن صخب الترند.
من خلال برنامجه الحواري “مازال حاضرين” على قناته الرسمية بمنصة يوتيوب، يفتح الناصري نافذة رقمية لنجوم اشتغلوا لسنوات في الظل، وأسهموا في تشكيل الوجدان الفني لجيل كامل. البرنامج لا يقدّم مجرد استضافة عابرة، بل ينسج حوارا عميقا يعيد الاعتبار للتجربة، ويحتفي بالمسار قبل الشهرة.
من بين الأسماء التي أطلت عبر حلقاته: الفنان الكوميدي مصطفى تاه تاه، والفنان محمد سهيل، والمطربة القديرة حياة الإدريسي، والفنانة نعيمة إلياس، إلى جانب العداء العالمي سعيد عويطة وغيرهم من الوجوه التي صنعت لحظات خالدة في ذاكرة الجمهور.
قوة البرنامج لا تكمن فقط في قائمة ضيوفه، بل في فلسفته. فهو يراهن على محتوى يزاوج بين البساطة والعمق، ويستثمر تقنيات حديثة — من بينها توظيف الذكاء الاصطناعي في بعض الأجزاء — دون أن يفقد روح الحكاية وحرارة اللقاء الإنساني. هكذا يثبت أن التكنولوجيا يمكن أن تكون جسرا للذاكرة، لا قطيعة معها.
التفاعل اللافت الذي حصدته الحلقات منذ انطلاقها يؤكد أن الجمهور لا يزال متعطشا للصدق، وأن الوجوه التي غابت قسرا عن الشاشات لم تغب عن القلوب. التعليقات، نسب المشاهدة، وحجم المشاركة الرقمية، كلها مؤشرات على أن الرهان كان صائبا.
“مازال حاضرين” ليس مجرد عنوان برنامج، بل بيان موقف. هو إعلان بأن القيمة الفنية لا تسقط بالتقادم، وأن من منحوا الفن أعمارهم يستحقون مساحة إنصات حقيقية. وفي مشهد إعلامي سريع الإيقاع، يختار سعيد الناصري أن يتمهل… أن ينصت… وأن يعيد ترتيب الأولويات.
إنه حضور يتجاوز الشخص إلى الفكرة، ورسالة وفاء لفنانين صنعوا الفرح، وآن لهم أن يستقبلوا من جديد بما يليق بتاريخهم. في هذا المعنى، لا يكسر الناصري حصارا رقميا فحسب، بل يعيد تعريف معنى الحضور ذاته: حضور بالقيمة، لا بالضجيج.