حين يصبح الرحيل قدرا لا مفرّ منه
بقلم محمد كرومي
في ظل الأزمة التي عرفتها مدينة القصر الكبير على ضوء الفياضانات التي شهدتها المنطقة والتي من المحتمل ان تحاصر المدينة وتدفن المدينة تحت المياه بسبب ارتفاع منسوب المياه وارتفاع حقيقة السدود المحيطة بالمنطقة مما جعل الوضع يدق ناقوس الخطر وتدبير الأزمة من خلال ترحيل الساكنة واخلاء المدينة في ظل إطار الإجراءات الإحترازية التي قامت بها السلطات وحماية أرواح المواطنين
فليس قرار الاخلاء الكلي لمدينة القصر الكبير وافراغ المدينة من السكان مجرد إجراء إداري عابر، بل هو قرار وطني جريء يبعث على الفخر و الاعتزاز، لم يسبق في تاريخ المغرب المعاصر، و ربما علميا، دون ان يقع ضحايا. قرار ينبع من حس عال بالمسؤولية ووعي عميق بمستوى الخطر الذي يحدق بالمنطقة الى جانب مجموعة من المناطق الأخرى التي أصبحت مهددة بفعل التساقطات المطرية الغزيرة والتي تساقطت بشكل كبير ولم يعرفها المغرب منذ عقود من الزمن لتشكل هذه السنة حالة استثناء في تاريخ المغرب ، ومن هذه المناطق نجد مدينة القصر الكبير التي غمرتها المياه وأصبحت محاصرة وفي عزلة تامة في ظل الإرتفاع غير المسبوق في منسوب مياه سد وادي المخازن نتيجة الامطار الغزيرة التي عرفها حوض اللوكوس خلال الأيام الاخيرة.
لقد أثبتت التجربة المغربية مرة أخرى أن الرعاية الملكية السامية التي أحاط بها الملك محمد السادس حفظه الله سكان القصر الكبير و نواحيها و مناطق الغرب تظل الضمانة الكبرى لحماية الأرواح والممتلكات، فالتوجيهات الملكية الحكيمة جعلت سلامة المواطنين و المواطنات أولى الاولويات و أسمى القيم.
فمنذ الساعات الأولى لورود المؤشرات المقلقة بشأن حجم تصريف مياه السد، تحركت جميع السلطات المدنية والعسكرية والأمنية بتنسيق محكم لتنفيذ عملية الاخلاء التدريجي ثم الشامل. شاركت في هذه التعبئة الوطنية القوات المسلحة الملكية، الأمن الوطني، الدرك الملكي، الوقاية المدنية، القوات المساعدة، واعوان الانعاش الوطني، نساء و رجال الصحة بمختلف فئاتهم، في مشهد يجسد وحدة الصف وروح الانضباط في مواجهة الطوارئ.
إن هذا القرار الحاسم يأتي ليؤكد ان المغرب بقيادة جلالة الملك إختار منهج الاستباق بدل الارتجال، واضعا الكرامة البشرية فوق كل إعتبار، ومستحضرا التجارب المأساوية في دول اخرى كليبيا و اسبانيا و بعض دول شرق اسيا حين تأخرت التدابير الاحترازية و الاستباقية.
و هكذا عندما تتحدث الارقام تتجلى فداحة الخطر الذي قد يبدو للبعض هينا و سهلا و متسرعا. فتصريف مياه السد وادي المخازن الذي انطلقت اليوم بمعدل 1500 متر مكعب في الثانية، ليس فقط رقم تقني لا يحمل دلالة محددة، بل هو في الحقيقة ما يعادل 129 مليون متر مكعب في اليوم الواحد، اي ما يقارب سعة سد متوسط الحجم يفرغ بالكامل في ظرف 24 ساعة داخل وادي اللوكوس.
وللتقريب اكثر، فان الكارثة التي عرفتها مدينة درنا الليبية سنة 2023 بعد انهيار سدي درنة وبنمنصور، نتجت عن سعة اجمالية لم تتجاوز 25 مليون متر مكعب فقط. بمعنى ان حجم المياه الجاري تصريفها اليوم من سد وادي المخازن يفوق بستة أضعاف تلك الكمية التي دمرت مدينة بأكملها و ازحقت الآلاف الأرواح و شردت مئات العائلات. و لك هنا ان تتخيل حجم الكارثة التي يمكن أن تقع رغم اختلاف مع الحالة الليبية إذ كان الامر يتعلق بإنفجار السدين ، وليس تصريف بهذا الحجم كما في حالة سد وادي المخازن، لكن مقارنة كمية المياه تساعد على الفهم. الفرق الوحيد هنا هو أن المغرب لا ينتظر وقوع الكارثة ليتحرك، بل يستبقها بوعي وحزم و تلاحم وطني واستجابة جماعية.
إن عملية الإجلاء التي تمت بأمان وتنظيم دقيق، بمواكبة السلطات المحلية ومساعدة الجمعيات والمجتمع المدني، تمثل ترجمة لروح التضامن والتآزر الوطني التي تميز المغاربة في الأوقات العصيبة من كورونا إلى فيضانات الشمال و الغرب مرورا بزلزال الحوز و فيضان آسفي. ومن واجب سكان القصر الكبير أن يكملوا هذا الجهد الوطني بالانصياع الفوري لتعليمات السلامة وعدم العودة الى المدينة إلا بعد صدور الاذن الرسمي، لأن الخطر ما زال قائما ما دام تصريف المياه مستمرا بهذه الوتيرة العالية.
ما يجري اليوم في القصر الكبير ليس مشهدا درامتيكيا، بل دروس في الحكمة والتدبير الإستباقي برؤية ملكية حكيمة، ودليل على أن الدولة المغربية العريقة الممتدة منذ 12 قرن قادرة على حماية أبنائها متى ما وقعت التحديات. فقرار الاخلاء ليس تهويلا، بل تعبير عن حس انساني ووطني عميق، يضع سلامة الناس فوق كل شيء، ويجعل من التضامن عنوان المرحلة.
لقد ذهب الجميع الى مناطق آمنة… لكن المغرب كله هناك، واقف الى جانب القصر الكبير، بعناية ملكية، وتلاحم وطني، وإيمان بأن الوطن لا يترك في وجه الخطر.