عادل عزيزي
عرت التساقطات المطرية الأخيرة التي شهدها إقليم تاونات “عورة” البنية التحتية بالمنطقة، وحولتها إلى مادة دسمة على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما استعادت مشاهد “العزلة” حضورها الطاغي في عدة جماعات، حيث عرت الأمطار الغزيرة هشاشة التجهيزات الأساسية، وأظهرت بوضوح ضعف جودة الطرق والمسالك، انهيارات وسيول على الطرقات، بروز حفر ومطبات خطيرة بطرق حديثة البناء والإصلاح، سواء داخل المراكز “الحضرية” أو بالمناطق القروية.
ويرى متتبعون أن فشل هذه البنيات التحتية في مواجهة الفيضانات يعود، من جهة، إلى قوة التساقطات وحجمها الكبير الذي يعادل أحيانا معدل أمطار سنة أو سنتين، غير أن هذا المعطى الطبيعي، في نظر كثيرين، لا يمكن أن يكون مبررا كافيا، في ظل الحديث عن قصور الدراسات التقنية، وعدم مراعاتها لخصوصيات الإقليم الجغرافية المعرضة للفيضانات والانجرافات، فضلا عن ضعف جودة الإنجاز وما يترتب عنه من هدر للمال العام.
ولم تكن التساقطات المطرية الأخيرة سوى امتحان بسيط، لكنه كاف، لفضح هشاشة البنية التحتية بعدد من جماعات إقليم تاونات، وكأن السماء قررت أن تقوم بدور لجان التفتيش الغائبة، أمطار الخير، في بلد يفترض أنه يعرف معنى الشتاء، تحولت إلى “فضائح” عرت واقع طرقات قيل لنا إنها “مهيكلة”، ومسالك وصفت بـ”المؤهلة”، فإذا بها تنهار عند أول لقاء حميمي بين الماء والأرض.
ففي منطقة ذات طابع جبلي وقروي كإقليم تاونات، لا يمكن اعتبار الأمطار حدثا استثنائيا أو طارئا، بل معطى بنيويا ثابتا ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار في التخطيط، وتبنى على أساسه الأولويات، وترصد له الإمكانيات اللازمة، وعندما يتحول نزول الغيث إلى سبب في شلل حركة التنقل وتعطيل المرافق الحيوية، فإن الخلل لا يكمن في الطبيعة، بل في طريقة تدبير العلاقة معها.
مشاهد العزلة عادت من الباب الواسع، لا كذكرى من زمن قديم، بل كحدث يومي موثق بالصور والفيديوهات، ومتداول بسخرية مرة على مواقع التواصل الاجتماعي، طرقات مقطوعة، قناطر تحولت إلى شلالات، وحفر ظهرت فجأة وكأنها فطر موسمي، لا ينبت إلا بعد الأمطار، أما الطرق “حديثة البناء”، فقد أثبتت أنها حديثة فقط في تاريخ الفاتورة، لا في الجودة ولا في الصمود.
وفي المراكز الحضرية، حيث يفترض أن تشكل البنية التحتية واجهة للتنمية، اختلطت مياه الأمطار بحالة من الغضب وخيبة الأمل، بسبب مطبات خطيرة وانجرافات مفاجئة، وطرق لم يمض على إصلاحها سوى أشهر، أما في العالم القروي، فالوضع أكثر قسوة، حيث تعني الأمطار عزلة حقيقية، وتلاميذ محرومين من الوصول إلى مدارسهم، ومرضى ينتظرون تحسن وضعية الطرق قبل أن تتاح لهم فرصة العلاج.
وأمام هذا المشهد المتكرر، تتعالى الأصوات المطالبة بفتح تحقيق في جودة الأشغال المنجزة، وضرورة التدخل العاجل لفك العزلة عن المناطق المتضررة، كما اعتبرت أن “امتحان الأمطار” بإقليم تاونات لم يكن مجرد حدث عابر، بل هو “ناقوس خطر” يدق لإعادة النظر في السياسات التدبيرية للبنية التحتية، والانتقال من منطق “حلول الترقيع” الموسمية إلى استراتيجية استباقية تحمي أرواح وممتلكات المواطنين من تقلبات مناخية باتت تكشف، بوضوح، الفوارق الشاسعة بين المخططات الورقية والواقع الميداني الأليم.
فالأمطار ستتوقف، كما هو حال كل شتاء، لكن السؤال الذي سيظل عالقا في الوحل هو، إلى متى سيبقى إقليم تاونات رهين حلول مؤقتة، في غياب رؤية تنموية حقيقية تعيد الاعتبار لبنيته التحتية، وتضمن لساكنته الحد الأدنى من الأمان والكرامة مع كل موسم مطري؟