هل تموت الأرقام مثلنا..؟
عادل عزيزي
الأشياء ليست جمادات كما نظن… إنها كائنات صامتة تعيش أعمارها بيننا دون أن ننتبه، لكل شيء أجل خفي، وحين يكتمل عمره لا يصرخ، لا يشتكي، بل يستقيل بهدوء ويغادر المشهد دون ضجيج..، الكرسي يموت حين يتعب من حمل الأجساد نفسها دون أن يتبدل الحمل..
الطاولة تموت حين تتوقف عن استقبال الأكف والأحلام والرسائل..
ساعة الحائط تموت حين لا يعود أحد ينتظر وقتًا مهما..
زجاج النافذة يموت حين يصير المنظر خلفه بلا شغف..
حتى الهاتف الذي بين أيدينا يموت، لا حين ينطفئ، بل حين ينطفئ الذين كانوا يسكنونه، النظارة، القميص، السيارات، كل شيء يموت…
إلا السياسي، ذلك الكائن العجيب الذي لا تنطبق عليه قوانين الاستهلاك ولا يعترف بفكرة الصلاحية المنتهية، الكرسي عنده لا يشيخ ولا يهترئ، بل يبدو في عينيه قطعة أثرية مقدسة، إن غادرها ضاع التاريخ وتوقفت الحياة واختل توازن الكون! هو الوحيد الذي يعتقد أن الشعوب تتبدل، والدساتير تتعدل، والأجيال تتغير… أما هو فـ”قطعة أصلية” غير قابلة للاستبدال، مضمونة مدى الحياة، بل وما بعدها..!
سألت نفسي لماذا لا تموت الأرقام منفردة بينما تموت دفعة واحدة؟ مثلا لم أرى رقم “3” يموت مثلا، أو يتم تشييع رقم “6” إلى مثواه الأخير، أو نبيع رقم “1072” لتجار الخردة وقطع الغيار.. الأرقام الفردية أطول عمرا من الأرقام المزدوجة..
كنت أقلب قبل أيام قائمة الأرقام في هاتفي النقال، بعض الأسماء رحلت ورحلت الأرقام معها.. ترى من يستخدمه الآن؟ هل مازال يحمل اسمي لديه؟ أمالك جديد من العائلة نفسها، أم تم فصله وبيعه لمالك آخر؟ هل أجرب الاتصال الآن؟ ماذا لو رد علي مستخدم جديد أو وارث جديد؟ ماذا سأقول له؟ اشتقت لسماع من غابوا.. حاولت أن أسقي الرقم بصوتي وأختفي.. تراجعت عن هذه الفكرة البلهاء.. وقلت إن الأرقام تموت مع أصحابها.. فكرت قليلا في حذفها من القائمة، ثم ترددت، لم تطعني أصابعي على تأكيد الإلغاء، قلت في نفسي بعض الوفاء للأسماء الإبقاء عليها هنا بين الأحياء كي تؤنسني، الأحياء يغيبون ويفترون وتتغير مواقفهم ويبررون زيف غيابهم، أما من رحلوا فهم صادقون حتى بغيابهم..
سأتركها بين قائمتي المفضلة وإن كانت صامتة لا تورق كلمة أو تثمر رنة أو تفاجئني بصورة..
سأترك الأرقام على حالها، تماما كما تترك شجرة زيتون يابسة في بستان كبير، لو اقتلعتها من مكانها انكشفت عورة البستان.. سأتركها.. وسأقرؤها حسب الترتيب الأبجدي على الأقل سأذكرها بالرحمة إن شغلتني الدنيا.
هل تموت الأرقام مثلنا؟
نعم وأحيانا تموت معنا..
تموت أرقام الهواتف مع أصحابها..
تموت أرقام المقاعد فور مغادرتها..
والشقق فور إخلائها..
والقيم فور إنكارها..
و المبادئ فور تجاوزها..
فالأرقام لا تفنى وحدها..
نحن من نسحب عنها الحياة… ثم نستغرب صمتها..!