عادل عزيزي
منذ الصباح وأنا أحاول أن أشرع في كتابة هذا المقال، فتتوارى المقدمة التي أختارها، ويتراجع الكلام أمام ثقل المأساة، وترفض العبارات أن تكون في صدر الوجع… لكن لا بد من الكتابة عن الألم؛ فكما لا تقتلع الشوكة إلا بإبرة تغوص في اللحم، كذلك لا يندمل الجرح بالصمت.
صور حادث انهيار بنايتين متجاورتين بحي المسيرة بمنطقة بنسودة بفاس ترهق العيون وتتعب الروح… ركام متداخل، صراخ مفجوعين، أنين المصابين الممدين على الطريق، وصور الناجيين الذين يترنحون من فظاعة الحادث..
محاولات إنقاذ لا تهدأ، وأناس يبحثون عن أحبابهم بين الأنقاض، وقلوب تنادي أسماءها ولا تسمع جوابا..
تفاصيل صغيرة، لكنها أثقل من أن تحمل، وأكبر من أن تروى في مقال.
صحيح أننا نؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره… لكننا لا نقبل أن يترك مصير الناس رهينة إهمال أو طمع أو ارتجال…
لا نقبل أن يستهان بأرواح البشر تحت حجج الربح أو التساهل في المراقبة أو تمرير تراخيص لا تستوفي شروط السلامة. فالروح ليست رقما، ولا يمكن أن تصبح مجرد خبر عاجل عابر..
لقد تجاوزنا في سنوات مضت فواجع مؤلمة، وتعلمنا من حرقة الخسارة… لكن يبدو أن الدروس لا تحفظ دائما، وأن بعض الأخطاء تصر على العودة بوجوه جديدة، وبنتائج أشد قسوة.
فاجعة فاس، التي بلغ عدد ضحاياها 22 نفسا موتا، من بينهم أطفال ونساء، إضافة إلى إصابة 16 شخصا بجروح متفاوتة الخطورة، وهي حصيلة مؤقتة.
لم تكن مجرد حادث عرضي، بل صدمة أعادت طرح السؤال المؤلم،
من يحمي الناس حين ينهار كل شيء فوق رؤوسهم؟
وما قيمة القوانين إن لم تطبق؟
وما جدوى اللجان إن لم تدقق، وما معنى البناء إن لم يكن آمنا لأصحابه؟
لا أعرف ما الذي كان يدور في ذهن من صادق على البناء، أو من سمح بتشييده، أو من أغمض عينه عن الخلل…!
لكن ما أعرفه أن الدولة لا تستطيع أن تضع مراقبا داخل كل ورشة، ولا مهندسا فوق كل بناية، ولا مراقبا في كل مكتب يوقع على رخصة.
فالضمير هو المراقب الحقيقي.
عندما تبحث عن “واسطة” لتمرير رخصة بناء..
أو تتساهل في جودة المواد..
أو تتغاضى عن ملف تقني ناقص…
تذكر أن هذه الواسطة لن تنفعك عند وقوع الكارثة..
وأن الجدران التي تشيد على غفلة، قد لا تمنح لأصحابها فرصة الخروج منها أبدا.
وأن دقائق الغش، أو لحظة مجاملة، قد تكلف مدينة كاملة أرواحا لا تعوض.
فشغل منبه ضميرك… لتحمي نفسك، وتحمي غيرك… قبل فوات الأوان.