صفقات الأدوية تكشف هشاشة المنظومة القانونية لتضارب المصالح.

0 192

تضع القضية المتعلق بصفقات الأدوية المغرب أمام اختبار جديد لمدى صلابة الإطار القانوني في مواجهة تضارب المصالح. فمنذ صدور دستور 2011، الذي عزز مفهوم تخليق الحياة العامة، ما زال التنظيم القانوني لهذا المجال يعاني فراغا واضحا يجعل أغلب القضايا المثارة رهينة التأويلات والسجالات السياسية أكثر من خضوعها لضوابط قانونية دقيقة.

 

وينص الفصل 36 من الدستورعلى مبادئ أساسية لمحاربة الفساد وتجريم تضارب المصالح واستغلال النفوذ، مما يجعله أحد المرتكزات الأساسية لترسيخ النزاهة داخل الحياة العامة. غير أن غياب قانون متكامل يؤطر تضارب المصالح منذ 2011 ظل نقطة ضعف بنيوية تتحمل مسؤوليتها الحكومات المتعاقبة، التي لم تفلح في ترجمة تلك المبادئ الدستورية إلى قواعد قانونية دقيقة وملزمة.

 

وقد حاول القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها معالجة جزء من الإشكال من خلال منع الوزراء من مزاولة أي نشاط مهني أو مصالح خاصة قد تمس بمبدأ الحياد والشفافية، وإلزامهم بالتصريح بالممتلكات. غير أن هذه المقتضيات بقيت في بعدها العام، تفتقر إلى تعريف قانوني دقيق لتضارب المصالح وآليات واضحة للتصرف في حال حدوثه. وهو ما أثير حول قضية صفقات الأدوية.

 

وفي غياب هذا الإطار التشريعي، تكتسي تقارير مؤسسات الحكامة أهمية خاصة، فقد دعت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة بوضوح إلى الإسراع بإخراج قانون خاص بتضارب المصالح، وإرساء آلية مستقلة لتدبيره، واعتماد تعريفات دقيقة تحول الموضوع من دائرة التأويل السياسي إلى منطق الضبط القانوني.

 

القضية نفسها دفعت البرلمان إلى التفاعل، حيث وجه النائب البرلماني عبد الله بوانو أسئلة كتابية وشفهية طالب من خلالها الحكومة بتوضيحات حول العلاقات المحتملة وتأثيرها على القرارات العمومية. ويأتي هذا التحرك في إطارالرقابة البرلمانية التي ينص عليها الدستور، خاصة الفصلين 100و101 المتعلقين بالمساءلة. غير أن تدخل النيابة العامة في الموضوع المثار يطرح سؤالا مؤسسيا حول حدود تدخل البرلمان وإمكانية تشكيل لجنة لتقصي الحقائق. فالقانون المنظم لهذه اللجان 85.95 واضح، حيث يوقف عمل أي لجنة لتقصي الحقائق إذا كان موضوعها معروضا أمام أنظارالقضاء، لكنه لا يلغي المساءلة البرلمانية كليا، ويحصر التحقيق في الوقائع بيد القضاء وحده. ودخول النيابة العامة على الخط يعد أمرا طبيعيا عند وجود شبهة استغلال نفوذ أومنفعة يمكن تكييفها وفق المقتضيات الجنائية.

 

وعلى النقيض من هذا الوضع، تعتبر التجربة الكندية نموذجا متقدما لضبط تضارب المصالح. فالقانون الكندي يحدد بدقة الحالات الممكنة، ويلزم الوزراء والبرلمانيين وكبارالمسؤولين بالتصريح الشامل لممتلكاتهم ونشرها للعموم، والامتناع عن أي قرار قد يمس حيادهم. كما تضطلع هيئة مستقلة يرأسها مفوض تضارب المصالح والأخلاقيات، بصلاحيات واسعة للتحقيق وإصدار تقاريرعلنية وفرض عقوبات إدارية، بل والانتقال إلى فتح التحقيقات من تلقاء نفسها.

 

وتبدو هذه اللحظة مناسبة لإعادة التأكيد على الحاجة الملحة لإخراج قانون تضارب المصالح، غير أن المناخ السياسي الراهن، المثقل بتعدد الوقائع المثارة، يجعل أي مبادرة تشريعية مهددة بأن تفصل على مقاس اللحظة أكثرمما تستجيب لمقتضيات الإصلاح البنيوي. ويزداد الأمر حساسية ما دام القانون المرتقب يصنف في خانة القوانين العادية، ولا يخضع لرقابة المجلس الدستوري بشكل مباشر كما هو الحال بالنسبة للقوانين التنظيمية.

 

———- بقلم سفيان انجدادي: مستشار في الحكامة وتدبير الشأن العام / كاتب رأي حر ————-

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.