المسؤول الإنسان

0 200

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

.عادل عزيزي

ترددت كثيرا قبل كتابة هذا المقال، لأني كنت أخشى أن تفلت مني الكلمات أمام عمق المعنى.. أن أكتب عن إنسانية تختبئ خلف صفة، وعن مسؤولية تتجاوز المراسم والكرسي، وعن لحظات قليلة تكشف فيها المسؤولية وجها آخر، وجه القلب قبل المنصب.
لكنني قررت أن أكتب، لأن هناك مواقف نادرة تصنع الفرق، لحظات صغيرة تتحول إلى دروس كبيرة..، لحظة ينحني فيها المسؤول للوجع، يبتسم لطفل، ويقبل جبين مريض، لتتأكد أن الإنسانية ليست شعارا، بل فعل حي في عالم أرهقته الألقاب الكبيرة، وابتلعته المكاتب المكيفة، وصار فيه الإنسان رقما في ملف أو اسما في لائحة انتظار.
فهناك من يعتلي المنصب فيرتفع عن الناس، وهناك من يعتليه فينزل إليهم، يستمع لوجعهم، ويصغي لنبض قلوبهم، ويحمل هم الفقراء كما لو كان هما شخصيا يسكنه.
“المسؤول الإنسان” لا يقاس بعدد سنوات الخدمة ولا بحجم الموكب ولا بهيبة الكرسي، بل يقاس بقدر ما في قلبه من رحمة، وبمقدار انحيازه للضعفاء، وبقدرته على الاحتفاظ بإنسانيته حية وسط ضجيج السلطة وبرودة الإجراءات.
ليس كل من اعتلى منصبا صار مسؤولا، وليس كل من حمل صفة امتلك إنسانية، فالمسؤولية، قبل أن تكون كرسيا أو توقيعا أو موكب سيارات، هي قلب ينبض بآلام الناس، وضمير حيّ يشعر بثقل الأوجاع الصامتة التي تخفيها الوجوه المتعبة في الهوامش.
في زمن أصبحت فيه المناصب سباقا نحو الأضواء، يظل “المسؤول الإنسان” استثناء يشبه الغيمة في أرض أصابها الجفاف، هو ذاك الذي ينحني لا ليطلب تصفيقا، بل ليخاطب وجعا، ويقبل جبين الحاجة لا طمعا في صورة، بل اعترافا بكرامة مكسورة تستحق أن ترمم بالحنان قبل القرار.
المسؤول الإنسان لا يرى في الفقراء أرقاما ضمن تقارير، ولا في المرضى حالات تسجل في دفاتر، بل يرى فيهم أمهات وآباء وإخوة يشبهونه ويشبهون من يحب. لذلك، حين يقترب منهم، لا يعلو عليهم بمنصبه، بل ينزل إليهم بإنسانيته، لأن العظمة الحقيقية لا تقاس بارتفاع الكرسي، بل بقدرة القلب على الانحناء للضعف دون أن ينكسر.
حين يمسك المسؤول الإنسان بيد عجوز أنهكها المرض، فهو لا يمنحها فقط لحظة دفء، بل يعيد إليها شيئا من الحياة، من الشعور بأنها ما زالت مرئية، ما زالت مهمة، ما زالت تنتمي إلى هذا الوطن الذي يكاد ينساها، وحين يقبل رأس شيخ، فهو لا يمنحه مجرد علامة احترام، بل يعيد له شيئا من كرامته و وقاره، ويؤكد له أنه ما زال ذا قيمة، ما زال جزءا من هذا الوطن الذي يحرص على احترامه وتقديره، وحين يبتسم لطفل فقير، فهو يزرع في قلبه حلما صغيرا بأن العالم ليس كله قسوة.
نحن لا نحتاج إلى مسؤولين بقدر ما نحتاج إلى بشر داخل المسؤولين، نحتاج إلى من يسمع قبل أن يتكلم، ويشعر قبل أن يقرر، ويمشي بين الناس دون حواجز ولا حراس ولا أقنعة، نحتاج إلى من يفهم أن الكرسي زائل، وأن الذي يبقى هو الأثر، أثر الرحمة، وأثر الانسانية، وأثر اليد التي امتدت في وقت الحاجة.
المسؤول الإنسان لا تصنعه القوانين ولا تعينه المراسيم، بل تولده القلوب التي لم تفقد دفئها وسط روتين السلطة وبرودة المكاتب، هو ذكرى جميلة في ذاكرة الناس، ودعوة صامتة لكل من بيده القرار، أن يعود إنسانا.. قبل أن يكون مسؤولا..
في النهاية أتمنى أن يتذكر المسؤول والمواطن أن القرآن الكريم وكذا أمثالنا الشعبية لم تترك أمرا إلا وتكلمت عنه، فعلى المسؤول أن يحفظ دائما قوله تعالى ” إِن أحسنتم، أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها”، كما عليه أن يتذكر المثل العربي أنها “لو دامت لغيرك فما وصل إليك”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.