أية حلقة مفقودة في مسلسل التنمية بالمغرب؟
بوناصر المصطفى
منذ الاستقلال، وجهود التنمية بالمغرب تشكل جزء أساسي من رؤية الدولة لتحقيق التطور ومسايرة الركب وتحسين مستوى معيشة الساكنة، وذلك بإطلاق مبادرات كانت خطوات تظل مهمة في هذا الاتجاه، لتبقى اهم العلامات الفارقة محصورة في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية مرورا بالحوار الوطني للمجتمع المدني، ثم النموذج التنموي الجديد، لكن يظل الالحاح في هذا المسار يعاني تحديات كبيرة قائمة.
بعد حركات الشارع كانت الدولة مضطرة للاجتهاد بعقد لقاءات بهدف تدشين جيل جديد من برامج اختارت لها عنوان التنمية الترابية المندمجة، وهو أمر تطلب الدعوة لمشاركة فاعلة من المجتمع المدني كي تطرح مقترحات وتخرج توصيات لمعالجة الاختلالات والاعطاب، لكن من الضروري أيضًا أن نتناول بتجرد وتقييم واقعي لهذه الجهود، بعيدًا عن تلميع السياسات والتفنن في مظاهر التجميل.
ليس الغرض من هذه المقالة تكريس الإدمان على جلد الذات بقدر ما هو تقييم تلك المحطات لننجح في وضع الاصبع على مكامن الخلل والمسؤول عن استمرار الاعطاب وعن أصل الداء.
لكن في ظل اية شروط وما هي معايير الفاعل المشارك؟
وهل لنا الجرأة للوقوف امام المرآة للمساءلة والتأمل لاكتشاف تلك الحلقة المفقودة في كل تلك المبادرات؟
يستحيل تحقيق الفعالية في أي مشروع مجتمعي الا شريطة التوافق حول استراتيجية تنبع من القواعد كي تعيد الدولة النظر في مقارباتها التقليدية وتنزيل فعلي لعنصر الاشراك.
ثانيا يستحيل ان نخطو شبر واحد دون تبني لسياسة التقييم واعتماد المعرفة التراكمية لأنها من سمات التفكير العلمي والتي افتقدناها للأسف في تدبير سياساتنا.
غالبا ما تكون مشاركة المجتمع المدني تنقصها الفعالية الكافية لإنجاح برامج التنمية الترابية المندمجة، نظرا لكون المنظومة تفتقد لعنصري الاستراتيجية وتكاثف الجهود لتشكيل تحالفات وشبكات تبادل الخبرات فيما بينها. بالرغم من وعي هذا الفاعل المدني بالقضايا التنموية وأهمية المشاركة المدنية وتعداد الورشات التكوينية في برامج السياسات التنموية حتى يكون على دراية بكيفية المشاركة في صنع القرار ويرقى لتمثيل دائم في الهيئات الاستشارية، منخرط في معالجة القضايا المحلية وتقديم استشارات للسلطات المحلية بعد تقييم وتقويم البرامج والحكومية عبر إنتاج تقارير موثوقة عن الأثر الاجتماعي والاقتصادي، برامج قائمة تضمن الشفافية وتتفادي تكاليف مخاض المسائلة والإجراءات القانونية.
الا ان الحقيقة المرة والتي لابد من تقبلها، هي ان نسبة لا يستهان بها من المجتمع المدني غير مستوف لشروط الانخراط في هذه الاوراش التنموية.
من الغرابة والوهم ان نراهن على التنمية من كتلة بشرية القليل منها مغيب لكونه يفتقد للإمكانيات المعنوية، في حين ان الغالبية تدعي المعرفة والخبرة في كل الميادين ولها اليد الطولى، مع ان ادراكنا ان من يثقن كل شيء جاهل بالقوة والفعل.
فإذا كنا فعلا نراهن على هذا الشريك الاستراتيجي في صنع القرار، لماذا لم نبادر في تسطير معايير لممارسة الفعل المدني؟
كما ان خيار عقد شراكة مع جامعاتنا لتزيد المنظومة بالخرجين في شعبة تسيير المقاولات للانخراط في تأطير وتدبير الجمعيات والتعاونيات وكذا تحفيز متقاعدي القطاعات العمومية والخاصة للمساهمة في إنعاش الفضاءات المدنية والاستفادة من خبراتهم
بدون شك ان ضمان مشاركة المجتمع المدني بفعالية في أوراش التنمية الترابية المندمجة يشترط معيار المصداقية والالتزام بالترافع اللا مشروط مقتنعا بقضايا المجتمع بجميع فئاته معززا ثقته في عقد شراكات مع الجهات الحكومية، وهذا طبعا لن يتأتى الا بخبرة ومعرفة عميقة بقضايا القرب وتدبير الشأن العام، وبالاعتماد على خلايا تنظيمية تركز على التنسيق لتحقيق الشمولية.
كثيرة هي التحديات التي تواجه منظومة المجتمع المدني، فعدم القدرة على بناء تحالفات استراتيجية وبناء شبكات عمودية او افقية والتمسك بخاصية التقوقع المغلق والافتقاد لمهارة فن التواصل والإصغاء لاحتياجات الساكنة سواء بالتواصل المباشر او عبر التقنيات الحديثة للوصول إلى جمهور أوسع، دون ابداء أي رغبة للتأقلم والإصرار على الانفتاح على الاخر لاكتشاف مستجدات ومتغيرات جديدة.
ان اهم ما يميز الفاعل المدني ويمنحه تلك الرمزية السلطة هو السداد في ترك بصمة برامجه ومبادرات يتم تنفيذها، قصد تحسين الأداء المستقبلي داخل محيطه واستناده في كل مرحلة لثقافة التقييم
اكيد ان وجود قيادات فاعلة على راس هذه المنظمات المدنية قادرة على تحقيق الأهداف المسطرة مدروسة ومبنية على أبحاث واستقصاء حاجيات ومتطلبات مرجوة ستسهم في وضع استراتيجيات ناجحة صنعتها القواعد وانخرطت فيها من هذا المنطلق تبقى روح المبادرة والجرأة في اقتراح المبادرات والحلول لها أهميتها في تعزيز من قدرات المنظمة على تنزيل مبادراتها مع حاجة ملحة الى دعم مالي كاف وبحث عن تمويلات حكومية او تبرعات من قطاع خاص.
أن تحقيق التأثير من المجتمع المدني على الواقع وانجاز مشاريع في التنمية الترابية المندمجة هدف أسمي للإسهام بقوة في تحسين جودة الحياة للمواطنين وهذا رهين عنصر المصداقية والخبرة والمؤهل العلمي للترافع عن القضايا المجتمعية ودعم وتشجيع أفكار ومشاريع محلية تتماشى مع احتياجات المجتمع، وتقديم الدعم اللازم لتنفيذها.
فهل من إرادة فعلية من السلطات لتنزيل وتفعيل الديمقراطية التشاركية؟
وهل الفاعل المدني مستعد لجمع الشتات والتنازل عن انانية فارغة لتحقيق التنمية المنشودة؟