سيمفونية العطش..!

0 806

عادل عزيزي

لذكريات الطفولة السعيدة عبقها الندي، وللحوادث التي هزت طفولتنا أثرها المدمر، والذي قد يثيره حدث اعتيادي عابر. يرسل لي صديق رسالة عبارة عن قصة قصيرة، وقعت له في دوار ما، في جماعة ما، بإقليم تاونات، قرأتها، فأعادتني الغصة إلى عمر غض في طفولتي.. إليكم القصة:
“وجاء من أقصى التهميش والإقصاء.. جاء يركض “وهو الهزيل الظمآن” في سباق مع الوقت.. جاء يحمل قنينتين أصفرين بلون الصيف.. يصرخ في صمت تتجاذبه الأقدار.. يركض وهو لا يكاد يقدر.. يتعثر فلا يستسلم.. لاهثا، باحثا عن قطرة ماء تبلل لسانه، ينادي بصوت مبحوح قادم من تحت أعرشة النسيان والإهمال.
ينادي: أماه.. أماه..  “بغيت نشرب.. بغيت نشرب…!” أريد أن أشرب.. أريد أن أشرب…!
خطواته المتعثرة كتعثّر التنمية في بلده شدّت من عزيمته على المواصلة، وكلماته الخافتة كصوت مذياع عتيق ضعيف البطاريات لم تمنع من فهم حاجته إلى الماء والغذاء والدواء والمأوى..
اقترب من صهريج الأمل لعله يسقي ظمأ اللحظة.. بعد أن دجى الخطب، وتباطأت نبضات قلبه مهددة ما بقي في النفس من حشاشة..
نظرت إليه فأنباتني تضاريس جسده نصف العاري عن مدى القحط والشح الذي يعانيهما الدوار الواقع في قلب الهامش؛ ساعتها تذكرت ِقربةً كانت معلقة في جذع شجرة أمام بيتنا، وقطرات باعثة للحياة تنزل من بطنها في إناء وضعه أبي تحتها ذات صيف حار لسقاية عصافير يتهددها العطش.
تذكرت آبارا ما نضب مآءها في وجه مورديها بكرة وعشيا، رغم قلة ما فيها.. لقد كانت أسخى من حنفيات باتت كأعجاز نخل خاوية في بضع سنين، وتذكرت كيف انخدعنا حتى دفنّا عصب الحياة داخل تلك الآبار يوم أخبرونا في يوم مشهود أن الماء سينساب رقراقا في طرقاتنا، وأن ينابيع الحياة ستروي عطاش البشر والأنعام والشجر.
لقد جعلونا بوعودهم الانتخابية كمن يلهث خلف غيمة بدينة صعدت لتوها من المحيط في رحلة الشتاء والصيف، لتمطر بعيدا.. بعيدا عن مضاربنا، وليس لنا من خراجها إلا السراب والريح السموم.
لقد خدعونا وجعلونا كمن “شاف الربيع ومشافش الحافة “، فهذا شهر مايو وقد أماط اللثام عن وجه عبوس جاف، وكشّر عن أنياب متعطشة للأذى، متوعدا سكان دواوير جماعات إقليم تاونات بمزيد من العطش، في صيف غائظ كسابقيه..
يدفع هذا ا الطفل الغض الهش ضريبة تصديق ذويه كلام الساسة ممن يملؤون الجِرار والقِرَبَ بكل ألوان الأمل..
يعني من غير المنطق أن نطلب من الله أن يغيثنا، ونطلب منه أن يرسل لنا ملائكة تقوم بربط شبكة توزيع الماء الشروب بالمنازل.. هذا واجبنا، نحن ومسؤوليتنا نحن، إن فشلنا بها فلا نستحق الاستمرار بنفس مكان المسؤولية.. اشبعوا الناس..، خففوا عنهم معيشتهم، أرووا عطشهم..، حلوا مشاكلهم البسيطة.. فكلامكم المعلوك بالتنظير لا يروي بل يثير الغثيان لأنه على معده فاضية…”
قد علمتنا التجارب أنه في موسم الانتخابات يساق أغلب الناس مصفدين بأمعائهم نحو سياط الجيوب، ومقصلة الأخلاق.. وتنتهج السلطة معه سياسة الماء المؤقت مقابل الولاء المطلق، وهي في زاوية أخرى.. وفي باب من فلسفة فن البقاء تعزف أوتار الحمية القبلية والعقَد الشرائحية والنظرة العنصرية فتسلب عقولا غيّبها الفقر والحاجة ببريق زائف.
رحلة أطفال ونساء وشيوخ، إلى حيث توجد قطرة ماء صالح للشرب، طقس يومي متعب للجسد ومؤرق لقلوب منهكة من طول انتظار الانعتاق من قبضة عطش جاثم منبعه الجفاف ويتمطط بلامبالاة من يعنيهم أمر معاناة إنسان قروي يتألم ومتشبث بالأمل.
رحلات مكوكية تبدأ فجرا ولا تنتهي ليلا، حتى في دواوير أقرب لسدود تستثمر مياهها خارج الديار..
سكان كتبوا التاريخ ولم تنصفهم الطبيعة والتضاريس والجغرافية، ومسؤولون عن معاناتهم اليومية غافلون وعن حقهم في قطرة ماء ساهون أو لا مبالون.
وبذلك يبقى المواطن المسكين يئن ويشقى راضيا العيش على الأمل والسراب..
ولكن متى سنبقى نصفق ونطمئن لمن خدعنا ؟
أما آن لنا أن نعلم أنه كذب السياسيون ولو صدقوا ؟
ومتى سنغتسل من هذا الهذيان، ونسمع زقزقة العصافير حول غدير كان على مقربة من بيتنا؟
ومتى تفيض” ينابيعه” وتؤتي السنابل أكلها ليعود الإقليم شامخ شموخ “تاريخه” .. هادئا هدوء “حاضره”.. دافئا دفء “جغرافيته”..!؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.