تاونات.. ملاحظات “هادئة” تناقش سجالات ساخنة بمهرجان فنون العيطة الجبلية

0 1٬778

عادل عزيزي

أعترف بأن عودتي إلى الكتابة عن المهرجان الوطني لفنون العيطة الجبلية، هذه المرة يعتريها في النفس والعقل تردد وإحساس بالتردد وبعض الإحباط، لماذا؟ لأنني أدرك أن الكثير من الأفكار التي تحضر في الذهن كاستنتاج لمتابعة المهرجان في دورته الأخيرة هي ذاتها التي عبرت عنها في كتابات سابقة منذ أكثر من عشر سنوات.

لا يعني ما سبق أن لا تطور هناك على امتداد دورات عديدة بل العكس صحيح تماما، لكن ما اتجاه هذا التطور من حيث المضمون والشكل في المهرجان الوطني للفيلم؟

يعتبر المهرجان، العرس الإقليمي/ الجهوي/ الوطني لفنون العيطة الجبلية بامتياز، مهرجانا مثيرا للجدل دائما وفي كل دوراته.

مكتسب ملطخ بالغموض..

لننطلق من أن المهرجان الوطني مُكتسب لا جدال فيه أولا، ومن أنه تتويج لدعم عمومي، فمنذ سنوات، يشكل هدا المهرجان منصة مهمة لتعزيز وترويج التراث الثقافي والفني لمنطقة جبالة، ولكن غياب الوزير عنها يسلط الضوء على الإهمال الحكومي والتهميش المستمر لهذا الفن الأصيل.

يمثّل هذا الفنّ جزءًا من ثقافة منطقة جبالة المغربية المتنوعة، فقد عُرف به الإنسان الجبلي منذ القدم، يعبر من خلاله عما يحس به من انتماء لهذه المناطق المتميزة من البلاد، لذلك نجده حاضرًا في جميع المناسبات، فتجده في الأعراس والمناسبات الدينية، والمناسبات الوطنية والمهرجانات، الأمر الذي جعل هذا الفنّ يحافظ على مكانتها المتميزة في هذه البيئة.

نتيجة ما سبق فإن الباحث والدارس والمهتم بفنون العيطة الجبلية، لا يجد تراثا مكتوبا نقديا وتحليليا رصينا يُعتد به، علميا ومعرفيا حول هذا الفن الأصيل، بقدر ما يسمع من لغط وأحكام متسرعة. مرد هذا المستوى يكمن في تدني مستوى التنظيم في كل التخصصات وتسيُّبُ وفتح مجال منصة العروض الرسمية، للمتطفلين والمندسين تحت يافطات “الثقافة” و “الاهتمام”..

الغريب هو أن هذا الحضور الطفيلي يقابله غياب ملموس لنسبة مُهِمَّة من المهتمين المترسِّخين في فن العيطة الجبلية…!!!

مهرجان حصيلة وتقويم ينقلبُ إلى واقع مَعِيب…!

ينتظر المرء وهو يحضر أشغال دورات المهرجان الوطني لفنون العيطة الجبلية، في دوراته الأخيرة خاصة، أنه سيستمتع ويستفيد في فضاء مهني وثقافي، تتمظهر فيه كل أشكال الجمال والفكر والأناقة واللباقة واللياقة والفن والإبداع.

المثير هو الغياب لمواعيد سخية في خلق نقاشات خصبة بين المبدعين والمنتجين والمثقفين والفنانين والمهتمين، من كل روافد الفن الجبلي وتخصصات التدخل في إبداعاته وصناعته. فلماذا الغياب الكبير للحضور الكاريزمي للرواد، وغياب لخلفٍ ناضِجٍ لشباب يسير على طريق الإبداع والمثابرة والبحث والمغامرة التجريبية؟

مهرجان بدون إدارة فنية…!

لنتكلم بهدوء، ولنحاول أن نتواصل قليلاً ولنبسط الفهم. ما المقصود بإدارة فنية لمهرجان وطني تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة؟

الإدارة الفنية تتطلب بروفايلات يُشهد لها بكثير من الإلمام وسط دائرة محصورة وضيقة من كفاءات لها قدرة على جعل مهرجان ما نقطة انطلاق تألق أفلام معينة، بتوجه معين، وبأهداف معينة.

الإدارة الفنية يجب ان تكون لها إلمام كبير بالفن والفنانين والفرق الموسيقية، وجلب فرق محترفة، وبرمجتها فيما بعد.

الإدارة الفنية تتوج ذلك المجهود الكبير الذي تقوم به إدارة كل مهرجان، وفي تاونات يجب الافتخار الموروث الثقافي والفني الذي يزخر بع الإقليم، والمجهودات التي تبدل في هذا المجال من بعض الأشخاص.

تبقى فقط الإشارة إلى أن الأوان قد حان فعلاً لكي نفتح نقاشاً جادا بخصوص إدارته الفنية في الدورات القادمة، فمن غير المعقول لمهرجان وطنبي كبير ينظم تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة ولا يتوفر على إدارة فنية ومدير فني يشرف عليه.

غياب إطار/جمعية تقوم بتنظيم المهرجان…؟

لقد بدا التنظيم غير متماسك، حيث غابت الأدوار المحددة بين القائمين على الحراسة والتنظيم؛ فكان هناك تداخل في المهام، ما أدى إلى ارتباك وعدم انسيابية في حركة الحضور.

لهذا فمن الأجدر والأفيد خلق إطار مستقل على شكل مؤسسة أو جمعية تسهر على وضع التصور النظري للمهرجان والوسائل التطبيقية لبرنامجه بتنسيق وتعاون مع الوزارة و باقي الشركاء، غير أن ربط المهرجان بالوزارة تعتريه مجموعة من النواقص و العشوائية في التسيير و الغموض وفي التدبير المالي.

الندوة الصحفية..

ونعتقد أن عدم عقد تنظيم الندوة الصفية للمهرجان تحت أي ذريعة كانت ليس في صالح تفعيل الأنشطة، لأن الغاءها قد ‘شل’ حركة التفاعل، وخلق هوة كبيرة بين المشاركين والمتابعين. لذا نجد من المهم ان يعاد النظر في هذا الأمر، لأن الندوات الصحفية شئنا أم أبينا هي عصب أي مهرجان.

لكن عدم عقدها يطرح أكثر من علامات استفهام، و خصوصا و أننا نعرف ان الندوة الصحفية هي بمثابة الفقرة الأولى و الأساسية للمهرجان، يعلن من خلالها المنظمين عن فقرات الهرجان و أسماء الفنانين الحاضرين و كل الجوانب الفنية و التقنية و المالية المتعلقة بالمهرجان، إذن لماذا لا يتم عقدها…؟

الغياب المتكرر لوزير الثقافة يطرح أكثر من تساؤل…؟

تعكس حالة الغياب المستمرة لوزير الثقافة عن دورات المهرجان الوطني لفنون العيطة الجبلية الذي ينظم تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، حيث فتح هذا الغياب بابا واسعا للتساؤلات عن دواعي هذا الغياب المتكرر، كما اعتبره البعض تهميشًا واضحًا لفن العيطة الجبلية ولإقليم تاونات ولمنطقة الجبالة بشكل عام.

فمنذ سنوات، يشكل هدا المهرجان منصة مهمة لتعزيز وترويج التراث الثقافي والفني لمنطقة جبالة، ولكن غياب الوزير عنها يسلط الضوء على الإهمال الحكومي والتهميش المستمر لهذا الفن الأصيل.

توقيت المهرجان فيه نظر..

تشكل فترة تنظيم المهرجان، هاجس تخوف لدى العديد من الأسر التاوناتية، التي يجتاز أبناؤها فترات الامتحانات لتزامنها مع فترة التحضير للامتحانات، و يشكل الأمر عاملا من عوامل التشويش على تركيزهم وعلى مردودية مراجعتهم للمواد التي سيجتازونها، ويتساءل العديد من الآباء حول مدى إمكانية تأجيل موعد المهرجانات إلى حين تجاوز التلاميذ والطلبة لتلك الفترة الحاسمة طيلة السنة الدراسية والجامعية، خصوصا أنها تظاهرات تدخل في إطار الترفيه عن النفس وفي سياسة البرمجة الفنية والثقافية السنوية، والتي لا ينتج عن تأجيلها مشاكل اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية، وبالتالي الإمكانية متاحة لذلك، لذلك فتأجيل المهرجان الى شهر يوليوز او شهر غشت امر فيه من الإيجابيات الكثيرة، العطلة الصيفية، و تواجد الجالية المغربية المقيمة بالخارج.

تهميش الجانب السياحي..

كما هو معلوم للجميع، تلعب هذه المهرجات دوراً كبيراً في تنمية السياحة المحلية وجعل الفن وسيلة لتحقيق تنمية اقتصادية داخل هذه المدن، و ليس اقتصار محتواه على الجانب الاستعراضي والفني فقط.

إنّ المهرجانات في الزمن المعاصر ليست وسيلة ترفيهية فقط، بقدر ما تمثل قاطرة لتحقيق تنمية اقتصادية، سياحية بما تُحقّق المدن الصغيرة نموها وتنخرط في السياحة الوطنية وفق آلية مختلفة ومغايرة تجعل من الفنّ أداة لخدمة الواقع، سيما في وقتٍ أصبحت فيه المهرجانات تلعب دوراً في تنشيط السياحة المحلية وجذب الناس إلى المدينة أو الإقليم، خاصّة حين يتعلّق الأمر بإقليم مثل تاونات، له تاريخه وذاكرته ويتميز بجغرافية طبيعة مختلفة تساهم بدورها في جذب الناس إليها. لكنْ بوجود مثل هذه المهرجانات السينمائية، فإنّ قيمة الجانب السياحي يبدو كبيراً ويلعب دوراً في تنمية المدينة وجعلها تفتح أفقاً مختلفاً ومغايراً.

إن المتتبع للمهرجان في جميع نسخه، معظم فقراته فنية فقط، وهو ما لا يلبّي تطلعات شريحة كبيرة من الجمهور، بل إن المهرجان ينبغي أن يحتوي على فقرات ومسابقات رياضية متنوّعة بمشاركة شعبية وجماهيرية واسعة من المواطنين والمقيمين يتخللها مسابقات وجوائز ما يُثري المهرجان و يجلب السياح .

شكر واجب للصحفيين.. ولكن!

اهتم القائمون على المهرجان بتوجيه رسائل شكر للصحفيين خلال حفل الافتتاح والختام، فمجهوداتهم وتغطياتهم المتميزة هي من ألقت الضوء على هذه الدورة، ومع ذلك عاش الصحفيون العديد من المشاكل بسبب عدم وجود تنظيم مُسبق للمهام والتصرفات المسموح بها خلال المهرجان، مما أدى إلى حدوث مصاعب أثناء الدخول والتحرك بحرية لإجراء الحوارات مع الفنانين وتغطية الفعاليات، مما تسبب في انفعال الكثيرين منهم لأكثر من مرة بعد التعامل معهم بطرية غير احترافية.

العُرْس المُجهض

دافع كل قلناه وسنقوله منطقيا عن مهرجاننا الوطني، وبالنظر إلى معنى المهرجان لدى المحترفين، أنه من المفروض أن يكون موعد المهرجان الوطني لفنون العيطة الجبلية، موعِدا سنويّا يمثل المروث الثقافبي لفنون العيطة الجبلية.

يتم ذلك من خلال جعل فضاءات هذا المهرجان الكبير (بما يخصص له من طاقات بشرية ومالية ولوجيستيكية محترمة) فضاءات لعرض كل الفقرات، و تجانس الحضارات المحلية و الدولية.. ، وتنظيم نقاشات فكرية ومهنية رفيعة يوميا حول هذا الفن الأصيل..، وحول كل الأبعاد التي تهم الإنتاج والترويج والكتابة حول الفنون الشعبية ببلادنا..

علاوة على ما سبق نتساءل: لماذا لا يتم تصميم هذا المهرجان برصانة ودقة واحترام لمعايير الفعل المعرفي والعلمي والفكري، وليس بمنطق المكانة الثانوية لفن العيطة الجبلية ورمزية حضوره على الصعيد الوطني؟ ولماذا لا يتم التوقف عن إسناد الإشراف عليه بمنطق الإدارة وعلاقات القرب والتقارب، عوض بمنطق الكفاءة والحضور الفكري والقدرة على التحكم التنظيمي والكاريزما والمصداقية.

يقتضي إنجاح هذا العرس الوطني، أيضا، مجسدا في المهرجان الوطني لفنون العيطة الجبلية، إصدار نشرة المهرجان برصانة ومضمون جيد وتبريز حصيلة الحضور أفكارا ونجوما ومبدعين وضيوف شرف، ناهيك عن تبريز القيمة الكمية والكيفية للكتابات السنوية مع تخصيص تشجيع مادي واحتفالي لها بحضور الفاعلين المهتمين.

ننتظر، في كل مرة، في دورات المهرجان، تلاقح أبعاد تنوع الأجيال هذا وفقا لمعايير تنافُسٍ رصينة وموضوعية، حيث لا مكان للسمسرة والتحيُّز والوصاية الإدارية التي تنغص صفوه، نحضر آملين وضع حد لوقاحة بعض الطُّفيليين والمُتطفلين الذين يُفسدون أجواءه التي من المفروض أن تكون رفيعة.

ننتظر وجود صحافيين شغوفين، (وهم موجودون وغيورون على فنونهم الوطنية)، لكن الحاضرين منهم قلة صامتة ومنزوية، لفائدة المتخفين المتربصين بالمفيد لتفجير نرجسية مرضية، أو استغلال علاقات مشبوهة، لعلها ترفع من مستوى ما ضاع منهم من فرجوية عقيمة في الاهتمام بشأن فنون العيطة الجبلية المركوب عليه لأغراض فردية صرفة تروم المزيد من ربحٍ، على حساب حقل يحتاج رصانة وشجاعة لا هي استعراضية ولا هي مُكرِّسَةٌ للعابر المؤقت.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.