المرأة والبحث عن التوازن بين تحقيق الذات والهوية الأنثوية؟

0 833

 

ذ. بوناصر المصطفى

 

لم يمر تطور دور المرأة في المجتمع الغربي دون إثارة الجدل والنقاش المجتمعي حيث عرفت هده المجتمعات موجات لعدة هيئات نسوية، فمنذ أوائل القرن العشرين وبالتحديد مع طرح حق الاقتراع، وصولاً إلى المطالبة بالمساواة في العمل والتعليم والحقوق الإنجابية، إذ زاد منسوب الوعي بقضايا المرأة وحقها في المشاركة الفعّالة في المجتمع بالتوعية وتمكين الحركات النسوية من الترافع لتحقيق هده مطالبها المشروعة.

رافق دخول المرأة سوق العمل، تقلدها لوظائف كانت تقليديًا حكرا على الرجال، مما ساهم في تغيير النظرة النمطية لدور المرأة مع توسيع دائرة هده المشاركة لتصبح أكثر قدرة على تحقيق استقلالها المالي، مما عزز مطالبها بالمساواة في جميع جوانب الحياة، تبلور مع هذا التحول انقلاب في القيم الاجتماعية وتحولات أخرى في حقل السياسة والاقتصاد.

لقد كانت لزيادة فرص النساء في التعليم المساهمة الفاعلة في رفع مستوى الوعي والمشاركة في مختلف المجالات، اضطر معه إصدار قوانين وتشريعات لحماية حقوق المرأة وتعزيز المساواة، وساعد على دعم دورها في المجتمع مما مهد انخراطها داخل أحزاب سياسية ومراكز صنع القرار فعزز هدا من فرص ترافعهن لتحقيق قضاياهن.

كما ساهمت وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بدور رائد في تطور ونشر قضايا المرأة على نطاق واسع، وزيادة التوعية بقضاياها، مما شجع النقاش والحوار، فصارت تلك المواقع منابر لنشر الوعي بعدالة تلك القضايا الملحة.

لم تكن الخلفيات الثقافية والدينية عائقا بل العكس ساعدت هي الأخرى في دعم حقوق المرأة وكانت بعض التفسيرات الحديثة للدين داعما لهده المواقف التحررية، مما أدى إلى تعزيز دورها في المجتمع.

 

كما عملت الاختلافات الثقافية وتنوعها في المجتمعات الغربية على عكس آراء مختلفة حول هدا الدور الجديد للمرأة، مما خلق نقاشات حادة على الرغم من التقدم الحاصل في هدا المجال، حيث برزت مقاومة من بعض الفئات التي تفضل الحفاظ على الأدوار التقليدية.

إن تطور دور المرأة في المجتمع الغربي لم يكن الا نتاج تفاعل معقد بين الحركات الاجتماعية، وما أفرزته التغيرات الاقتصادية، تولدت معه تغيرات ثقافية، لذلك أثار هذا التفاعل جدلا ونقاشا صامتا في البداية استمر ليثير تساؤلات حول حقوق المرأة ودورها في المجتمع.

لقد بدأت التحديات العملية تواجه المرأة بشكل مقلق، فرض عليها البحث عن ذلك التوازن بين تحقيق الذات والهوية الأنثوية.

لكن هل هذا الحنين يعني بالضرورة العودة إلى الوراء وتجاهل المكاسب التي حققتها المرأة؟

وهل يمكن لتلك النوستالجيا أن تكون مزيجًا من الرغبة في الاستقرار والشعور بتحقيق الذات؟ أم هي فقط ردود فعل عابرة ضد التحديات المعاصرة؟

اعتبر المؤيدون لحرية المرأة أن هذه المراهنة مجرد حلم، بل هو تعبير عن رغبة بشرية طبيعية في الاستقرار والحب والانتماء، لأن فكرة العودة إلى الزمن الجميل هي حالة من النوستالجيا إلى زمن أكثر استقرارا وامانا على المستوى العاطفي والاجتماعي مادام التغيير طبيعة بشرية، وتبقى كل التوقعات والأدوار في تطور مستمر، اذ من المستحيل البقاء رهين نموذج أسري واحد ثابت، وأن الحرية والمساواة ليست إلا من الحقوق الأساسية للمرأة سواء في العمل، التعليم والمساهمة في المجتمع اذ هي حقوق ضرورية لا يمكن التنازل عنها.

من هذا المنطلق تبقى السعادة غير محصورة في نموذج معين للأسرة والحياة الزوجية، فكل فرد يبحث عن سعادته بطريقته الخاصة.

سارع هذا النقاش بطرح إشكالية البحث عن التوازن بين تحقيق ذاتها كفاعل أساسي إلى جانب الرجل وبين بعث هويتها الأنثوية.

إذن، كيف يمكن تحقيق التوازن؟

استطاعت الفئة العريضة في المجتمع الغربي إعادة تعريف الأنوثة وإخراجها من النظرة التقليدية لتقتصر على جوانب في شخصية المرأة، بما في ذلك طموحاتها المهنية وإسهاماتها الاجتماعية.

ساد الإلحاح على تطوير مفاهيم جديدة للأسرة تتناسب مع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية، لتشمل أشكالًا مختلفة من العلاقات العائلية وبحث مضن ومستمر لتحقيق ذلك التوازن المفقود بين حياتها المهنية والشخصية وبدعم من شريك حياتها وعائلتها في إطار علاقات صحية مبنية على أساس الاحترام المتبادل والمساواة.

بكل اختصار استطاع هدا الرأي أن يرسخ في الأذهان أن السعي إلى الاستقرار والحب وتحقيق الحرية والمساواة لا يتناقضان بل صعوبة المعادلة في النجاح في التكامل بينهما، وأن الحلم بأسرة سعيدة وحياة مستقرة هو حلم مشروع لكن شروطه في العمل على بناء مجتمع يدعم المرأة ويمنحها الفرص لتحقيق ذاتها.

أسئلة تفرض الطرح :

#لماذا أصبحت بعض النساء يحنن إلى الوظيفة التقليدية للمرأة بالهروب إلى نوستالجيا الهوية الأنثوية والتفريط في كل المكاسب التي حققناها في تحقيق الذات؟

#كيف لنساء أن يشعرن بأن الوظائف الحديثة تتطلب تضحيات كبيرة في حياتهن الشخصية والعاطفية وأن الحنين إلى الأدوار التقليدية قد يمثل رغبة في تحقيق توازن أفضل؟

#هل الأدوار التقليدية قد توفر شعورًا بالاستقرار العاطفي والاجتماعي، مما يجذب البعض في أوقات الضغط أو التوتر؟

#أي مساهمة للثقافة الشعبية والإعلام في تعزيز صورة مثالية للحياة التقليدية، مما يؤثر على تصورات النساء حول هويتهن وأدوارهن؟

#هل يمكن التوفيق بين تحقيق الذات والأدوار التقليدية للمرأة، وهل يتطلب فهمًا مرنًا ومتوازنًا للأدوار الاجتماعية؟

هناك نقاط قد تساعد في هذا التوفيق:

 

إلى أي حد يمكن للأدوار التقليدية أن تُعاد صياغتها لتتوافق مع تطلعات المرأة وأن تكون ربة منزل ناجحة وفي نفس الوقت تسعى لتحقيق أهدافها المهنية؟

#هل للمرأة حرية في اختيار الدور الذي يناسبها، سواء كان تقليديًا أو حديثًا؟ وهل هذا الاختيار يعزز من شعورها بالاستقلالية والتمكين؟

#هل توفر الدعم من الأسرة والمجتمع يمكن أن يسهم في تحقيق التوازن بين الأدوار؟

#هل دعم الأسرة العمل خارج المنزل، يمكن أن يحقق للمرأة ذاتها مع الحفاظ على دورها التقليدي

# وهل تبادل للأدوار بين الزوجين، يمكن أن يشارك الرجل في الأدوار التقليدية، مما يخفف العبء عن المرأة؟

أكيد أن الأهم هو زيادة الوعي حول أهمية تحقيق الذات يمكن أن تساعد النساء على فهم أن الأدوار التقليدية لا تتعارض مع طموحاتهن، ويمكن للمرأة أن تكون مرنة في أدوارها، بحيث تتكيف مع مختلف المراحل في حياتها، مما يسمح لها بالتنقل بين الأدوار التقليدية وتحقيق الذات ولتتمكن المرأة أن تعيش حياة متكاملة، تجمع بين تحقيق الذات والتمسك بالقيم التقليدية التي تهمها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.