الذكاء الصناعي السيادي بين إثبات الهوية الرقمية القومية وحماية الخصوصية؟

0 854

 

ذ. بوناصر المصطفى

 

دخلت الدول المعنية بعصب التطور في سباق محموم لتأكيد حضورها في ميدان الدكاء الصناعي بما سيغير بشكل جدري مستقبل التكنلوجيا، بالاستفادة من خبرة شركة إنفيديا التي أكد رئيسها التنفيذي جونسن هوانغ أن لكل دولة الحق في أن يكون لها دكاء صناعي سيادي خاص بها.

فهل الدكاء الصناعي السيادي قد غير مفهوم الهوية من نطاق ضيق إلى ما هو أوسع؟

لقد أصبح الذكاء الصناعي لغة حقبة جديدة من الحضارة الإنسانية تبين فيها كل دولة قدرتها على تطوير تقنيات دكاءها الصناعي الخاص بها، لاستخدامه في معالجة بياناتها وبنياتها التحتية، إنه بشكل أو باخر جيشها الجديد الحامي لحدودها في المجال، لدلك نجد أن فرنسا منشغلة بإنشاء حاسوب سحابي كما أن دولا أخرى كالهند واليابان دخلت هدا السباق العلمي بخطى متسارعة.

لكن يطرح السؤال نفسه بحدة لمادا هدا السباق الدي لم يعد حكرا على أحد؟

قد لا نختلف في تعريف الدكاء الصناعي تلك القوة التكنولوجية الجديدة التي تمنح الدول نوع من الاستقلالية في مجال معالجة البيانات الوطنية الحساسة دون ان تعتمد على أي شركة اجنبية، فهو يعني بشكل تكتيكي قدرة الدولة على تطوير واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل مستقل، مع التركيز على احتياجاتها وأولوياتها الوطنية، بما ضمن إنشاء أنظمة ذكاء اصطناعي محلية، وتأمين البيانات، وتطوير المهارات المحلية.

فاذا سارعت الدانمارك الى إطلاق مشروع حاسوبها الذكي السيادي لتساير الحداثة، فتحكي هده اللغة الحية لتخطو بإيقاع متسارع لتسمح للوطن ان يحتفظ بكيانه الخاص مستخدما الحوسبة والطاقة النظيفة في إطار سباق عالمي حقيقي، فإن مفهوم الهوية الوطنية قد تنطع من مفهومه الضيق نحو سياق أوسع في الذكاء الاصطناعي.

من الطبيعي ان تختلف القيم الثقافية من دولة الى أخرى وهدا دون شك سيؤثر على الأنظمة الذكية، ولان أي هوية ثقافية اجتماعية واخلاقية قد تنعكس على كيفية تصميم واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي فان حماية هده الخصوصيات وفقًا للتقاليد والقوانين المحلية ضرورة ملحة، حتى يخصص هدا الدكاء الصناعي لخدمة المصلحة وضمان العدالة، مادامت الهوية تشمل الأبعاد الثقافية والاجتماعية بخلاف ان الذكاء الاصطناعي السيادي يركز على الاستقلالية التكنولوجية.

رغم هده الميزات فبناء الذكاء الاصطناعي السيادي يفرض مواجهة العديد من التحديات، ومنها ضرورة تطوير كفاءات ومهارات محلية في هدا المجال، وهو ما يتطلب استثمارًا في التعليم والتدريب مع كل ما تستدعيه متطلبات التنفيذ من بنية تحتية تقنية متطورة، ومراكز البيانات ذات الشبكات عالية السرعة، وهو ما قد يشكل كلفة ثقيلة ماليا وزمنيا.

من المؤكد ان دعم البحث وتطوير الابتكار بتمويلات واستثمارات ضخمة في مجال الذكاء الاصطناعي وتحويل الأبحاث والتطوير إلى تطبيقات عملية لتلبية احتياجات السوق المحلي، تبقى من المعادلات المركبة، خصوصا حين يصبح الالحاح بالانفتاح والتعاون مع الدول المؤسسات البحثية العالمية في المجال مع الشركات الكبرى لإثارة أسئلة تتعلق بالسيادة والملكية الفكرية يشكل تحديا أكبر توازيه قدرة محدودة لتحدي دول متقدمة لديها ميزة تنافسية قوية في مجال الذكاء الاصطناعي.

ان مواجهة هده التحديات القانونية والتنظيمية، مثل حماية البيانات والخصوصية، وكيفية تنظيم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وضمان استخدامه بطريقة أخلاقية مع مراعاة القيم الاجتماعية والثقافية، يفرض شروطا تحتاج الى معالجة استراتيجية وتعاون شامل لكل مكونات هده الدولة من حكومة وقطاع خاص ومجتمع أكاديمي.

وتبقى المفارقة العجيبة هي ان في الوقت الدي تسابق دولا الزمن لبناء الدولة الوطنية، تعيش دولا أخرى حالة سراب الدولة بانشغال في ممارسات السلطة بطرق مراهقة ترسم الجشع بأقصى صوره وتتبجح بفوضى الاغتناء اللا مشروع ولو بالعنف الوحشي، هده العينة قد لا يعنيها الذكاء الاصطناعي من قريب ولا من بعيد لان مشروعها يتناقض مع ما هو تنموي، بما ان البيئة السياسية التي انتجتها كدول تابعة مستهلكة تعاكس الانجذاب للوعي بفوائد الذكاء الاصطناعي، و الاهتمام بتطويره ربما تستحيل قدرتها على تطوير استراتيجيات أو تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي ببنياته التحتية لافتقارها الشديد للشروط الأساسية للبنى التحتية التكنولوجية، مما يدفعها الى تجاهل هدا الانخراط من الأصل، وبالتالي تصبح فريسة للتنافسية العالمية، بالرغم من كون الذكاء الاصطناعي فرض عين على كل دولة تزداد أهميته في الحياة اليومية للاقتصاد العالمي، مما يجعل من الصعب على أي دولة تجاهله على المدى الطويل.

لقد بات السباق الدولي نحو الذكاء الاصطناعي يضمن للدولة أولا وقبل كل شيء إثبات الهوية الرقمية مما يساعد في تعزيز صورتها العالمية، كما يشمل في نفس الان تطوير تقنيات تتناسب مع احتياجات المجتمع المحلي وتوفر خدمات ذكية للمواطنين.

في ظل القلق بشأن حماية البيانات والخصوصية القومية والتي تفترض إنشاء أنظمة ذكاء اصطناعي مهمتها حماية المعلومات الحساسة وضمان السيطرة على البيانات الوطنية، وتمنح تلك الدولة استقلالية دون الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية، مما يعزز أمنها السيبراني في حالة ادا اختارت الاستثمار وعززت الابتكار في هدا المجال لتحقيق النمو الاقتصادي.

يبدو من اول وهلة ان تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي قد يتناقض والاستخدام الأخلاقي للتكنولوجيا الا انه يؤكده ليعكس قيم المجتمع ويعزز الثقة العامة.

في المجمل إن سباق الدول في ميدان الذكاء الاصطناعي هو مزيج من السعي لإثبات الهوية الرقمية وحماية الخصوصيات، بالإضافة إلى التنافس الاقتصادي وتعزيز المسؤولية الأخلاقية.

 

# الى أي حد يمكن اعتبار بداية سباق نحو الهوية الرقمية القومية هو افول للفكرة الكونية؟

# هل لهده الدول البعيد عن هدا الخوض خيارات أخرى دون اختيار الانخراط في الدكاء الاصطناعي؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.