استمرار “معركة الأمعاء الفارغة” للأسبوع الخامس وهيئات تحذر من “الكارثة” وتطالب بالحوار وإنقاذ الأرواح.
عادل عزيزي
منذ أزيد من شهر، يخوض المعطلان، زهير الهواري ورضوان مرضي إضرابهما عن الطعام وحتى اليوم، اللذان جعلا من الامغعاء الفارغة وسيلة للتحدي والمجابهة، يواصلان معركة الإضراب المفتوح عن الطعام.
تتقاذفنا النظرات المغلقة، تتقاذفنا العبارات التي تنهي وتأمر، وكل هده الوجوه العابسة، وكل هذه الجدران الرمادية الباهتة فهل هذا هو الوصل..؟ لم يكن للعلم هاته المرة من سؤدد ومكانته شيء، سنوات من ابتغاء العلى شجنا بينها صور المجد تتراءى من أحلام كادت أن تكون حقيقة، لكنها تلاشت بعد أن كان للوطن رأي آخر، ما جدوى أن تشرح لخانقك بأنك تختنق.
بأمعاء فارغة وآلام صاعقة وأجساد اتخذت لها من الأرض فراشا والسماء لحافا، من أجل استعادة كرامة الإباء في غابة اللامبالاة التي ينهجها المسؤولين، فهي عزيمة تتقدمها نداءات من الملأ الأعلى تنادي ببزوغ فجر الكرامة لتطوي صفحة التهميش، فهي صرخة ألم ومعاناة فالجروح تفاقمت وتعالت الصيحات، فيعتبر المعطل الموت خير إذا كان من أجل استعادة حرية الإنسان وكرامته لو الموت ثمن الحرية.
في الحياة أمور كثيرة لا غنى عنها وتكاد حاجتنا إلى تلك الأمور بأن تماثل حاجتنا إلى الطعام والشراب، بل أبالغ إذا قلت بأن حاجتنا إليها تفوق حاجتنا إلى الزاد والماء، ومن تلك الأمور الكرامة والحرية، لتظل بطولات معارك الأمعاء الخاوية وحكاياتها المؤلمة والطريفة تسكن الذاكرة، وتتناقلها الألسن، بين من عاشوها بالأمس ومن لا زالوا يصنعون حكاياتها حتى اللحظة.
فالمعطل حين يُضرب عن الطعام والشراب لا يفعل ذلك لأنه راغب في الموت، بل يفعل ذلك ليقينه بأن الكرامة أهم بالنسبة له من الطعام والشراب، ولأنه يعلم بأن حياته دون الكرامة لا قيمة لها، ويعلم أن حرمانه من كرامته يماثل ضرورة حرمانه من الأكل والشراب.
المعطلان، زهير ورضوان يواصلان رحلة الجوع من أجل أن يحصل على كرامتهما المفقودة وحقهما المهضوم المتمثل في الشغل، فهما يخوضان معركتهما منذ 34 يوماً بصمود وثبات، وهذا الصمود والثبات والاستعداد الدؤوب لا يوازيه إلا تجاهل المسؤولين.
الإضراب عن الطعام يُذيب الجسد كقطعة السكر في كوب ماء فما هو إلا موت بطيء يستنزف في حلبة الموت، فمن يضرب عن الطعام يُعاني من جوع ومرارة وقيئ وغثيان وحسرة وحيرة كلها أحاسيس ممزوجة بالهزيمة وفقدان الأمل.
تمر الأيام والساعات على المضربين، وهم يسطرون أسمى معاني التحدي والصبر والصمود، بخوضهم إضرابا مفتوحا عن الطعام للمطالبة بحقهم في الشغل.
مشهد الأطر المعطلة وضربات الشمس الموجعة في هذه الأيام التي تعرف ارتفاعا قياسيا في دراجة الحرارة، التي تصيب كل جزء حساس من أجساد هؤلاء المكلومين والمحرومين من حقهم في الشغل ومن عبق الحياة، بعدما كرسوا حياتهم في الدراسة والتحصيل والبحث العلمي لسنوات عديدة، فوجدوا أنفسهم عرضة للتهميش والبطالة والإقصاء لا لشيء إلا لأنهم حصلوا على أعلى شهادة في البلاد، وهم من أبناء الوطن البررة وحملة لواء التنمية والثقافة فيه، فهم من خيرة نخبته المثقفة، وليس لهم إلا مطلب الإدماج في الشغل.
تعتلي حالة الارهاق محيا رفيقي الإضراب زهير ورضوان، اللذان ما أن تقبل عليهما ترى بسمة ترتسم على شفاههما، تخفي وراءها انهاكا وقشعريرة نتيجة انخفاض درجة حرارة جسميهما، اللذان فقدا بعضا من كيلو جرامات، وتبقى تضحياتهما شاهداً حياً على نضالات حركة المعطلين ورفضهما الانصياع لحكم الأمر الواقع أو الاستسلام.
لا تزال آفاق الحل غائبة، والصمت حيال الإضراب سيد الموقف، فيما تشخص الابصار إلى مآل المضربين، الذين عقدا العزم على المواصلة، دون اعتبار لما قد يلحق بهما من أذى..
وامام الوضعية الحالية للمضربين عن الطعام، نشعر بالقلق الشديد إزاء تجاهل هذا الحق الأساسي (الشغل) لهذه الفئة الهامة من المجتمع، هذا التجاهل قد يؤدي الى وقوع فاجعة، تمس بالحق في الحياة والحق في السلامة البدنية والأمان الشخصي للمضربين والمضربات عن الطعام.
في انتظار إيجاد الحل.. أنقذوا حياة المعطلين المضربين عن الطعام..!!