هل تحديث المناهج التعليمية يتعارض مع الكتاتيب القرآنية؟

0 549

 

ذ. بوناصر المصطفى

كانت القناعة ثابتة لدى الكل بأن التربية تبدأ مع الأطفال منذ نعومة الأظافر قدوة بتعاليم ديننا الحنيف وعملا به، فمنذ عصور مضت اعتبرت الكتاتيب القرآنية ودور القرآن الكريم وحلقات الذكر آليات تمارس في التعليم الأولي بناء على قول النبي صلى الله عليه وسلم: “خيركم من تعلم القرآن وعلمه” وكدا تنزيلا للمثل العربي “التعلم في الصغر كالنقش على الحجر”.
فالحصول على تيسير عملية النمو البدني والعقلي والنفسي وتحقيق الاستقلالية والتنشئة الاجتماعية مرتبط بعملية الحفظ ما تيسر من القرآن لتلقيح مبادئ العقيدة الإسلامية والقيم الأخلاقية في تواز وتزامن مع ترسيخ القيم الوطنية والإنسانية الأساسية بما يتلاءم وتنمية المهارات الحسية والتعبيرية وتنمية المخيال من خلال ضبط التعابير الشفوية، وذلك لتيسير التمكين من ضوابط القراءة والكتابة لدى الأطفال وتمرنهم على الأنشطة العملية والفنية؛ والتحضير لإتقان قواعد اللغة العربية.
لكن الوزارة الوصية على قطاع التربية الوطنية بالمغرب، تأتى على حين غفلة لتنقلب على هذا المنوال فتحدد التعليم الأولي في تلك المرحلة التربوية الأولي حيث تتكفل المؤسسات بالأطفال قبل حصول الست سنوات، وذلك لضمان أقصى حد من تكافؤ الفرص لجميع الأطفال المغاربة قصد ولوج التعليم المدرسي.
إذ أن الحرص على تربية الأبناء الصغار على هذا النهج، وبعدها يبقى لهم الحق الكامل في الاختيار الحر في اتباع المسار التعليمي المناسب لإمكانياته وأفاق تصوراته.
لقد أعطى هذا المعرف الجديد كامل الحرية لكل أسرة في اختيار التعليم العمومي أو التعليم الخاص أو التعليم العتيق، أو الدراسة في البعثات الأجنبية بعد مرحلة التعليم هذه.
كان اختيار أولياء أمورنا للكتاتيب القرآنية موقفا، إيمانا راسخا منهم أن الأصل هو الانطلاق مما هو أساسي كموروث ثقافي جماعي لكل المسلمين المغاربة ولكل أفراد الأمة الإسلامية، فحرصهم على هذا الخيار مبني على أن المدرسة القرآنية تغرس في نفوس الأطفال المبادئ والقيم الاجتماعية وتساهم في بناء شخصيتهم، وتساعدهم في التطلع إلى المثل العليا والأهداف الكبرى في الحياة.
إلا أن  رويدا رويدا بدا تخلي الدولة واضحا عن الكتاتيب القرآنية، رغم نجاحها التاريخي في العملية التعليمية إلا أننا لم نجد تفسيرا مقنعا بالرغم من حزمة من التبريرات أو ما يمكن أن نعتبرها سياسة عنوانها الارتباك.
تطور المجتمع المغربي تحول لا غنى عنه، لذا فالأنظمة التعليمية أصبحت تستدعي التناغم مع الحداثة المناسبة للتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، مما وجب معه تغيير في الأولويات، وذلك بالتركيز على التعليم الأكاديمي والتعليم المهني كوسيلة لتحقيق التنمية والاندماج في سوق الشغل، فكان تقليص دور الكتاتيب تحصيل حاصل نتيجة سعي الدولة إلى إحداث إصلاح وتحديث المناهج التعليمية لتلبية متطلبات العصر، فكان اهتمام الدولة بالأساس على التعليم الرسمي، والتركيز على إنشاء مدارس وجامعات رسمية كبديل عن الكتاتيب.
أكيد أن اختلاف المعايير في ملامسة الجودة في التعليم، أقر في الأخير بتغليب المدرسة الحديثة، على الكتاتيب، وأدى إلى توجيه الموارد نحو التعليم الرسمي، فكانت أحد تحديات حصول الجودة المنشودة، كضعف تأهيل مدرسي الكتاتيب والنقص الحاصل في التدريب ومقارنة بالمدارس الحديثة.
كما جاء توسيع دائرة الاستغلال للوسائل التكنولوجية لتوسيع هده الفجوة، وذلك بإدخال تقنيات حديثة في التعليم الرسمي بما يتطلب من تغييرات في المناهج وأساليب التدريس كي تحاول أن ان تساير الركب، أضف إلى الى ذلك أن زيادة الإقبال والاعتماد على التعليم الرقمي كان دافعا لتراجع دور الكتاتيب بالتركيز نحو اتجاه أحادي القطب يرمي إلى ثقافة تعلمية تفضل التعليم الأكاديمي على التعليم التقليدي، وذلك بإحداث تغييرات جدرية تسوق لتعليم حداثي كفيل بإنتاج أطر وكفاءات، الوطن في أمس الحاجة اليها في سوق العمل، مما اعطي أهمية قصوى لعنصر الشهادات والتكوينات المرافقة، في حين عاشت الكتاتيب نقصا حادا في الدعم المالي لاستمرارها، فعاشت إهمالا فضيعا، عكس ما هو عليه الحال بالمدارس الرسمية.
فالحكومات المتعاقبة اختارت توجيه جل الموارد المالية نحو تطوير المدارس العمومية عوضا عن الكتاتيب بدعوى أن التأثيرات العالمية أضحت تفرض تعليم يتماشى مع المعايير الدولية في الوقت الدي تم تهميش التعليم التقليدي بشكل جلي والسير به نحو الانقراض.
إن إعطاء الأولوية لهذا الخيار أبان في الأخير عن محدودية الرؤية وقصور في البحث العلمي إذ أن تجارب جديدة أثبتت أن  الطرق التقليدية هي أكثر فاعلية في سياق العملية التعليمية التعلمية، فغنى اللغة العربية من ناحية غزارة المفردات وخاصية الاشتقاق تمكن المتلقي من تكوين مخزون لغوي مسؤولة عن تعبيد الطريق لقوة الشخصية ويمرن على سلاسة في التواصل.
فكيف يمكن إيجاد تفسير لقرار التخلي الغير مقنع عن الكتاتيب القرآنية، رغم أن هذه الوسيلة أثبتت جدارتها في العملية التعليمية-التعلمية، وأن الأبحاث العلمية برهنت بالدليل على جدارة التحصيل بالطرق التقليدية مع إمكانية وجود مجال لإعادة دمج بعض جوانب الكتاتيب القرآنية في النظام التعليمي الحديث مثل التركيز على اللغة العربية وتعزيز الهوية الثقافية، مما يسهم في بناء شخصية قوية وتواصل سليم.
الهدف من خلال هذه المقالة هي رسالة على غرار ملتمس للمهتمين بهذا الشأن، سواء وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، أن يعملا على تنسيق الجهود لإعادة الاعتبار للتعليم الأولي في شق التركيز على حفظ القرآن والتكوين في مادة اللغة العربية إما بدمج الكتاتيب القرآنية في أسلاك المناهج التعليمية الحديثة بالمتابعة والتقييم، وكذا الدعم المالي والمعنوي او باستخدام ودمج تقنية التكنولوجيا في العملية التعليمة في الكتاتيب، ليحصل التكامل بين التقنية والمحتوى القوي.
#فهل تحصل الكتاتيب يوما على اعتراف رسمي من وزارة التعليم؟
#وما الذي يمنع من تنويع المناهج والانفتاح على اجتهادات أخرى تجمع بين الحسنيين؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.