كيف ننتصر للحرية على حساب الطُغيان والفساد الأخلاقي؟
ذ.بوناصر المصطفى
في عصر زاغ فيه الانسان عن قيمه الاصيلة فصار فريسة للحروب والنزاعات المذهبية، ;وامتهن سياسة الطغيان، أصبح سؤال مفهوم الحريّة يطرق ابوابنا لنعيد فيه التأمل ونحدد مدلوله من جديد، لتقويم مفهومه ليستعيد هدا الانسان قيمه ومغزاه.
اول سؤال لابد الحسم فيه هو هل الحُرّية فطريّة ام خيار مكسب؟
حتى لا يضيع مفهوم الحرية فينحرف عن مغراه الفلسفي العميق، فنحن في أمس الحاجة الى تأمل عميق، لنعيد الادراك لما قصرت ابصارنا عنه، ونستوعب ان النزعة للحرية أسمي مكسب على الانسان المحافظة عليه وتأطيره حتى لا يتحول الى فوضى؟
فإلى اي حد نحن في حاجة الى مزيد من التأمل والضبط في تفاصيل المفهوم وحدوده؟
الحرية هي موضوع فلسفي شائك معقد يثير العديد من التساؤلات حول طبيعتها ومدى تأثير العوامل المختلفة عليها، بشكل عام الكل متفق على اعتبار الحرية فطرية في الإنسان، حيث يميل الإنسان بشكل طبيعي نحو الحرية والاختيار، الا أن تستمر الحرية في التشكل مع كل تطور حضاري وثقافي فهدا شق يزيده الامر تعقيدا.
فالمعالجة المفاهيمية تقتضي منا التعرض لجدل الحرية، فاذا انحسرت في التقاليد الفلسفية الإسلامية في ثقافة لاهوتية وركزت بشكل كبير على العديد من المفاهيم الأساسية مثل الحرية، العدالة، والحقيقة دلك ان جدل الحرية في عصر الأنوار هدا كان يتناول عدة جوانب مهمة كاعتبار الحرية منحة للإنسان وهدية إلهية، وان الإرادة والقدرة على اتخاذ القرارات والاختيارات جزءًا من هدا التقدير الإلهي، بحيث يُنظر إلى الحرية كوسيلة للتقرب من الله من خلال اتباع الخير والفضيلة.
لكن هدا الجدل بين حرية الإنسان والإيمان بالقضاء والقدر، أخذ مساحة أوسع لذى الفلاسفة الأندلسيين على راسهم ابن رشد بتوجيه أسئلة جريئة ومستفزة الى حد ما، حول ما إذا كانت للإنسان حرية حقيقية في اتخاذ القرارات الخاصة به؟ أم أن كل شيء محدد مسبقًا بإرادة الله؟ وهدا ما اسس لربط الحرية بالمسؤولية وتحميل الإنسان مسؤولية اختياراته وأفعاله في حدود استخدامها بحكمة وتوجيهها نحو الخير والفضيلة.
كما افترض خلق بيئة تسمح للأفراد بممارسة حريتهم بشكل كامل لان الحضن الكفيل بنضجها هو وجود عدالة مجتمعية وتوزيع الثروة بشكل عادل، حيث تسهم العدالة في الرقي والامن.
لقد عكس جدل الحرية في هدا العصر الذهبي لدي فلاسفة الأنوار والعلماء الإسلاميين كالفارابي وابن سينا وابن رشد، تفكيرا جريئا حيث عرف تنوعا وغزارة في تلك الحقبة بشأن مفهوم الحرية وعلاقته بالإيمان والمسؤولية والعدالة.
الا ان هذا مفهوم الحرية في الجدل الغربي قد شكل محورا أساسيا في النقاش الفلسفي بحيث اختلف في تناوله على مر العصور بتأثير الظروف الاجتماعية والثقافية والفلسفية التي تحكم كل فترة زمنية، فادا سيطرت على النقاش في الفلسفة اليونانية القديمة مفاهيم الفضيلة والعدالة وتأثير القوانين على حرية الفرد، وتضررت بعد دلك من سيطرة الكنيسة في نقاش حصر الإرادة الحرة بالقدر الإلهي.
ليأتي العصر الحديث ليعطي النقاش سياقا اخر بإضافة محاور جديدة تناقش الحرية في بعدها الفلسفي وعلاقته بالحريات الأساسية خصوصا مع روسو، كأنط، وجون سيتوارد ليتسع فيما بعد مع جدل أكثر مع الفلاسفة الحديثين بتعميق هدا الجدل وفتح نقاش لمفهوم الحرية في سياق السلطة والتحكم في المجتمع.
نستشف من جدل الحرية في فلسفة الغرب انه تطور وازداد تعقيداً مع تطور الفلسفة والتحولات الاجتماعية والثقافية، مما يجعله موضوعاً مهماً يفتح شهية النقاش في المجتمعات الغربية والعالمية بشكل عام.
باختصار مركز إن الحفاظ على الحرية وتأطيرها أمران حيويان لضمان عدم انزلاقها إلى دائرة الفوضى من اجل اعطاء مفهوم الحرية حدودها بشكل أفضل، ويمكن للإنسان تحقيق توازن بين الحرية الشخصية والحاجة إلى تنظيم وتوجيه من قبل المجتمع.
لدا يجب الالتزام دائمًا بالتأمل في مسار مفهوم الحرية وحدودها والسعي الجاد لفهم كيفية الحفاظ على التوازن بين الحرية الفردية والمسؤولية الاجتماعية، فهذا التوازن يساعد في بناء مجتمع عنوانه السلم المجتمعي كأحد شروط التنمية، كما يعزز قيم العدالة والاحترام المتبادل بين عناصره.
بشكل عام تشكل الدولة المدنية له ارتباط وثيق بالحرية وبهذا الجدل الدائم، لكن قد يتنافى في تبلور منطق الاستبداد والقمع والظلم، فالبناء المفاهيمي للحرية يتعارض مع هده الانساق الغريبة التي قد تترسخ في الأجيال القادمة وسيترتب عنه تنشئة أجيال سطحية منبطحة فاقدة للمصداقة الأخلاقية اختارت عبوديتها لقيم لا علاقة لها بالطبيعة البشرية.
# فهل نولد أحرارًا وكفى ام ان الضرورة تفرض الدفاع عن حريّتنا أيضًا؟
# الى أي حد نحن مسؤولون عن صناعة الطغاة؟