إقليم تاونات.. المساكن الوظيفية، عوالم خفية 

0 847

عادل عزيزي

 

تحولت المساكن الوظيفية بكل القطاعات العمومية بإقليم تاونات، إلى علب سوداء وعوالم خفية تحكمها المحسوبية والزبونية والولاءات، تدار بأجهزة تحكم عن بعد، خارج قوانين وأنظمة الإدارات المعنية، عوالم خفية، حيث التسيب والفوضى في عمليات الاستفادة، والتلاعب في أموال إصلاحها وصيانتها، وحيث صعوبة إفراغ المستفيدين المنتهية مهامهم، مجموعة من المستفيدين يرفضون إفراغ المساكن الوظيفية، ويسلكون طرق وأساليب ملتوية من أجل الاستمرار في احتلال تلك المساكن رغم تقاعدهم النسبي أو النهائي أو انتقالاتهم لأماكن أخرى، أو إنهاء مهامهم أو عزلهم … أو حتى تغيير وظائفهم ومهامهم، بعضهم يبادرون إلى استخراج وثائق تثبت أن تلك المساكن غير وظيفية أو تابعة لقطاعات أخرى غير التي يعملون تحت إداراتها، يسعون وراء الحيازة والتملك، وحرمان زملائهم الموظفين الجدد، من إمكانية الحصول على مساكن وظيفية يفرضها القانون، وطبيعة أعمالهم ومسؤولياتهم، فيما يهمل مستفيدون آخرون صيانة وتأهيل مساكنهم الوظيفية، أو يتعمدون تخريبها انتقاما قبل مغادرتهم لها.

مساكن وظيفية عديدة محتلة بالقوة أو بالتواطؤ أو بطرق أخرى، فيما الموظفين المعنيين بالاستفادة منها، يحالون على دور الكراء، ويحرمون من حقوقهم المشروعة، كما يحرمون من امتيازات أخرى تمنحها المساكن الوظيفية، منها القرب والمحيط و الحماية و…

 

لكل قطاع إداري في منطقة حضرية أو قروية، هناك مساكن وظيفية لفئات كثيرة لموظفي الدولة، لكننا نجد أن تلك المساكن محتلة من طرف من سبقوهم في نفس المناصب، منها المتقاعدين، ومنهم المنتقلين لمناطق أخرى، وهناك من انتقل للعمل بقطاعات أخرى، بل هناك مساكن وظيفية محتلة من طرف الورثة، فيما يضطر الموظف المعين حديثا إلى تدبير أمور سكناه ومواجهة سيل من المعاناة والمشاكل المترتبة عنها، ما يقع للمساكن الوظيفية هو أمر واقع في كل الوزارات (التربية الوطنية، الداخلية، التعليم العالي، الفلاحة والصيد البحري، المالية، الصحة، التجهيز والنقل، السكن، ..)، وكذا للمساكن الوظيفية الخاصة بالجماعات الترابية وباقي المؤسسات العمومية والشبه عمومية، بل إن هناك وزارات ومؤسسات لم توفق حتى في جرد وإحصاء عدد ونوعيات مساكنها الوظيفية، ولم تضع أية مخطط لتقنين عمليات الاستفادة منها، أكثر من هذا وذاك، فهناك مسؤولين، يعمدون إلى التستر على بعض المساكن الوظيفية، بعدم الإعلان عن شغورها، أو بتزوير صفة محتليها، أو بإعداد مساطر وهمية لتمليكها، بل إن هناك مساكن وظيفية عبارة عن فيلات فخمة، يتم الاستحواذ عليها بطرق ملتوية، فتتحول بقدرة (قذر) وليس قادر، إلى مساكن خاصة.

 

كيف يعقل أن يفاجأ مدير مؤسسة تعليمية أو مقتصد، أو حارس عام للداخلية أو الخارجية… عند انتقاله إلى مؤسسة تعليمية ثانية، أن مسكنه الوظيفي محتل من طرف موظف لا علاقة له بتلك المؤسسة التعليمية، أو من طرف زميله الذي جاء من أجل تعويضه، وكيف يعقل أن يتم التستر على منازل وظيفية لقطاع ما، من أجل فرض استمرار احتلالها من طرف موظفين آخرين.

 

وكيف يعقل لمسؤول استفاد من سكن وظيفي خلال مزاولته لمهامه، على أساس أنه معفي من أداء سومة كراء السكن، أن يقوم باستخراج وثائق جديدة على أساس أنه يكتري المنزل من مديرية الأملاك المخزنية، ويداوم على أداء سومة كراء رمزية للدولة، على أساس أن يستعمل تلك الوثائق كحجة ودليل على أنه لا يستفيد من السكن الوظيفي، وأنه يكتري منزلا من مديرية الأملاك المخزنية .. وغالبا ما يعتمد على وثائق تثبت أن المنزل الوظيفي غير تابع لإدارته؟ ..

 

وكيف يعقل أن يحرم طبيب أو ممرض، أو مقتصد.. من سكن وظيفي بني من أجله داخل المستشفى، وأن تجد مساكنهم محتلة من طرف أطر أخرى تؤدي مهاما طبية أو إدارية خارج المستشفى، علما أنه من المفروض واللازم التواجد الدائم للمدير والمقتصد وأطباء داخل المستشفى، وأن هذا ما جعل الوزارة الوصية توفر لهم السكن الوظيفي؟..

 

إنها نماذج من بين أخرى كثيرة ومتعددة، تؤكد ما يجري ويدور داخل تلك العوالم الخفية، مشاكل ومعاناة وحرمان .. تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر في العطاء المهني والأخلاقي لمجموعة كبيرة من الموظفين، وتضعف خدمات عدة مرافق.

 

عوالم المساكن الوظيفية، يخفي كذلك، ما يتم من استغلال فاضح لعتاد وممتلكات المرافق العمومية والشبه العمومية، التي تحضن السكن الوظيفي، وخصوصا الاستفادة المجانية من عمليات التزود من الماء والكهرباء والهاتف والانترنيت.. وقد سبق للدولة أن فرضت على المستفيدين من السكن الوظيفي، أن يتحملوا مصاريف التزود بالماء والكهرباء، وأن يلجؤوا إلى المصالح المختصة محليا من أجل ربط منازلهم بعدادات خاصة بأسمائهم، لكن هناك العديد من قاطني السكن الوظيفي يستمرون في استغلال مياه وكهرباء المرافق التي يعملون بها، كما لا يتردد بعضهم في الانتفاع الشخصي والأسري بكل ما يمكن أن توفره تلك المرافق العمومية التي يديرها أو يعمل داخلها.

 

لتبقى تلك العوالم جد مكلفة ماليا ومهنيا، ومحبطة للأطر الجادة، ويبقى السبيل الوحيد لتنقيتها وتطهيرها، هو إحداث لجن حكومية أو برلمانية أو مختلطة، من أجل جرد وإحصاء كل المساكن الوظيفية، وإفراغ المحتلة منها، ووضع شروط ومعايير دقيقة للاستفادة منها، وقوانين واضحة، توجب الإفراغ وفق آجال محددة، وتفادي إحالة ملفاتها على القضاء.

 

الضحية في كل هذا هو الموظف الدي يستحق الاستفادة من السكن الوظيفي وإن أراد ذلك يصطدم بمتاهات بين رفض الاخلاء أو المساومة من أجل ذلك، كما أن المواطن يتضرر من مثل هده القضايا، حيث تنخفض مردودية موظفين وأعوان يستحقون السكن الوظيفي بينما يضطرون للكراء والتنقل ومواجهة متاعب عديدة، أما الادارة فلا تتدخل، هل لغياب قانون ينظم كيفية الاستفادة أم لأسباب أخرى، لتبقى تلك العوالم خفية ومستعصية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.