تاونات.. قراءة في نتيجة انتخابات رئاسة مجموعة الجماعات الترابية “التعاون”
عادل عزيزي
شهد إقليم تاونات يوم الجمعية 22 دجنبر 2023 اخر استحقاق انتخابي لهذه الولاية، أي الفترة الممتدة بين 2021-2027، حيث جرى التباري على رئاسة مؤسسة التعاون بين الجماعات الترابية، و التي تعرف مشاركة جميع الجماعات الترابية التابعة لإقليم تاونات 49 جماعة، بالإضافة الى المجلس الإقليمي، حيث عرف السباق نحو الرئاسة من طرف مرشحا وحيدا لشغل مهمة رئاسة اكبر تجمع انتخابي بالإقليم.
مراحل و نتائج هذه الانتخابات جعلت من الفاعل السياسي بالإقليم أن يقدم قراءة لهذا المسلسل الانتخابي حيث طفت على السطح مجموعة من التساؤلات التي تصب في مجملها الى سؤال واقعي، من هم صناع الخريطة السياسية بالإقليم؟، ما هو دور الأحزاب السياسية في صناعة الخريطة السياسية بالإقليم؟ و كيف تصنع نخبها؟ ماذا تقدم الأحزاب السياسية بالإقليم لمناضليها حتى يمتثلوا للالتزام الحزبي؟ هل الانتماء الحزبي يسبق الانتماء القبلي؟ أو العكس هو الصحيح؟ أو هما معا متحكم فيهم من طرف المال و أصحاب النفوذ؟ هل سيبقى إقليم تاونات خزان انتخابي فقط؟، أسئلة عديدة تطرح نفسها بحدة في إقليم تاونات..
ارتبط اسم إقليم تاونات منذ سنوات بأكبر مدبر للخريطة السياسية بالمغرب أو كما يسمى مهندس الانتخابات بالإقليم
إنه “الحاج محمد عبو” حيث كان يلعب دورا أساسيا في خلق النخب السياسية بالإقليم و ذلك بوضع خارطة مسبقة في نجاح الأشخاص الذين كانون محطة ثقته، نظرا لحنكته و دهائه السياسي، الشيء الذي أفرز نخبا لا تعرف معنى حقيقي للسياسة، بل أفرز نخبا مطيعة للأوامر لازالت تجلياتها إلى يومنا هذا، حيث نجد أن بعض الرؤساء عمروا لأكثر من ثلاثين سنة و أن البعض منهم ورث الجماعة لأبنائه أو لعائلة معينة مقابل طاعة الأوامر حتى يصبح السبيل للتحكم في الخريطىة السياسية بالإقليم أمرا سهلا، و هذا ما يعانيه اليوم المشهد السياسي بالإقليم، حيث أن النتيجة الانتخابية و خصوصا حينما يكون التصويت من طرف كبار الناخبين ” انتخابات المجلس الإقليمي، مجموعة الجماعات، مجلس المستشارين..”، تجد ان النتيجة متحكم فيها مسبقا تنفيذا للأوامر .
إضافة إلى ما سبق نجد أن النزعة القبلية لازالت حاضرة في الإقليم حيث الإقليم مقسم إلى ثلاثة أقطاب رئيسية، قطب “الحياينة” و قطب “جبالة” و قطب يتوسطه يسمى قطب “شراكة”، علما أن إلى وقت قريب كان الإقليم يسير من طرق قطب وحيد هو قطب “جبالة ” بقيادة الداهية السياسية الحاج محمد عبو و نظرا لحالته الصحية و التي لا تسمح له بالعودة الى الساحة السياسية مع إبعاد نجله الدكتور محمد عبو في انتخابات 8 شتنبر عن الترشح، أصبح القطب الثاني قطب” الحياينة” الذي يتزعمه رئيس المجلس الإقليمي الحالي و رئيس المؤسسة الجديدة القديمة مجموعة الجماعات التعاون إنه الشاب محمد السلاسي السياسي المدلل للداخلية الذي تخرج من جامعة “عبو”.
فحسب هذه القراءة يبقى دور قطب “الشراكة” مؤثرا في العملية الانتخابية إذا ما اعتبرنا التوجه القبلي من خلال عدد المنتخبين و قوتهم، لكن الملاحظ خلال التصويت على مؤسسة التعاون بين الجماعات الترابية، أن قطب “شراكة” توجه عكس التوجه القبلي نتيجة لضغوطات من جهات معينة، فانساق وراء القطب “الحياينة” .
وبالتالي يمكننا القوا بأنه رغم التدرج في الزعامة الحزبية تبقى نزوة قبلية حاضرة، أي أنك لكي تكون زعيما في حزب معين يجب أن تكون كبير قوم قبيلتك، في نفس الوقت نجد أنه رغم تعدد الأقطاب تجدهم توحدوا تحت راية “ألو صوت على فلان” و بذلك تكون العصبية القبلية رغم حدتها في الإقليم إلا أنها تصبح ضعيفة وبدونة جدوى مع ” ألو صوت ..”، أما دور الأحزاب السياسية بالإقليم فيقتصر فقط على تحصيل النتائج الانتخابية، أما الدور التأطيري للمناضلين و التحسيس بالانتماء الحزبي يبقى هامشي، حيث تغيب اللقاءات الحزبية ماعدا الولائم و أخذ بعض الصور رفقة القيادات الحزبية التي لا تفيد و لا تغني عن شيء.
ثمة اعتقاد سائد لدى المواطن التاوناتي مفاده أن غياب التنمية المحلية بالإقليم، ليس نتيجة عفوية بل هو فعل إرادي، تسعى من خلاله بعض من دوائر صناعة القرار السياسي إلى جعل إقليم تاونات ضمن دائرة المناطق التي من خلالها يتم ترتيب الخريطة الانتخابية على الصعيد الوطني أو الجهوي، وبالتالي يتوجب الإبقاء على سياسات عمومية هشة بالإقليم، مما يوسع من دائرة العزوف الانتخابي، أمر يمكن من الإبقاء على شريحة انتخابية قليلة، يسهل استمالتها إما بالمال أو المصالح أو التخويف أو القبيلة.
كذلك نجد أن غياب نوعية من النخب المحلية القادرة على مباشرة مهام المنتخب من موقع الفعالية والنجاعة والعطاء، والقدرة الاقتراحية والمتابعة والتواصل مع الساكنة، مع تسجيل استثناءات قليلة طبعا، هذا الفراغ قاد إلى هيمنة نمط من المنتخبين الذين يتمثلون العمل السياسي عموما والعمل الجماعي خصوصا كموقع للريع وبناء شبكات من المصالح الخاصة وتبادل المنافع، بدل القناعة بأن ممارسة الشأن العام جزء من استحقاقات المواطنة، وأن النخب المحلية رافعة أساسية في التنمية المحلية، مما يستلزم ممارسة سياسية تستحضر قيم النبل والعطاء ونكران الذات وتغليب المصلحة العامة.
و في الأخير لا بد للخروج من هذه الأزمة البنيوية التي يعيشها الإقليم، العمل بمنهجية تستحضر التعاون بدل النزاع، بنفس المشاركة وليس الإقصاء، بنفس الواجب وليس الاستفادة الغير المشروعة، ثم العمل على إدراج إقليم تاونات ضمن دائرة المشاريع الحكومية والجهوية بعيدا عن أي منطق سياسوي، أو تدبير سلطوي يرهن المحلي بترتيبات تحكمية في النتائج الانتخابية الوطنية، مع ضرورة أن تتحمل كل الأحزاب السياسية والنخب المحلية المثقفة؛ والتي اختارت إما الابتعاد عن ممارسة العمل السياسي، أو تغيير موقع الفعل النضالي؛ مسؤوليتها كاملة معطيات لابد من إسنادها من المجتمع المدني الحقيقي الذي احتفى به دستور 2011 عبر تمكينه من مجموعة من المقتضيات لمباشرة مهامه وأدواره الحقيقية بخلفية مواطنة.
إن الهدف هو العمل على إدراج إقليم تاونات ضمن دائرة المشاريع الحكومية والجهوية المهيكلة التي من شأنها المساهمة في استقطاب واستيطان المشاريع المنتجة للتنمية، والتي من شأنها إتاحة فرص للشغل وتنشيط الحياة الاقتصادية.
يبقى دور السلطة الإقليمية حاسما في عملية النهوض التنموي، بالنظر للدور الدستوري الذي منحت إياه في الوثيقة الدستورية لسنة 2011، أو ضمن متن القانون التنظيمي للجماعات الترابية، مع استحضار معطى تاريخي بالإقليم حيث أن أهم المبادرات المهمة بالإقليم جاءت من طرف السلطة الإقليمية وليس من طرف المجالس المنتخبة، وهو ما يلقي بثقل ومسؤولية عليها في الدفع واستقطاب مشاريع استثمارية كفيلة بالتخفيف من ضغط العطالة التي تتزايد بشكل ملفت بالإقليم.
كل المعطيات المتوفرة حاليا تنبئ أن أفق الانفراج في التنمية المحلية بالإقليم لا يبدو قريبا. يبقى الأمل في مبادرة جماعية تلتقي فيها مختلف الإرادات الخيرة من المجتمع المدني والسياسي وباحتضان من السلطة الإقليمية خصوصا من أجل الترافع على استقطاب مشاريع حكومية أو جهوية، أو طلب زيارة ملكية للإقليم من شأنها تحقيق انفراج قوي في الجانب التنموي على غرار المدن التي حظيت برعايته السامية.
هذه قراءة متواضعة للمشهد التنموي بإقليم تاونات، كتبت بنفسية قلقة على الوضع العام بالإقليم، لكنه قلق سوي وليس مرضي حيث الوعي بأن الأزمة تستوجب علينا الترصد لها كل من موقعه، بعيدًا عن المزايدات السياسية، أو محاولة النيل من هذا الفاعل أو ذاك، أفكار تقدم من أجل تشكيل وعي جمعي ناهض، يترافع عن الإقليم من أجل غدٍ أفضل، حتى نتجاوز مقولة هل إقليم تاونات نسكن أو هو الذي يسكننا في إشارة إلى التعايش مع مختلف مظاهر الهشاشة التي تنخر كل أوصاله ومفاصله.