المهاجرون غبر النظاميين بين الحماية القانونية الدولية والاعتداءات الجزائرية

0 262

 

الاسم: منعم بن صالح

دكتور باحث في القانون العام

العنوان:” المهاجرون غير النظاميين بين الحماية القانونية الدولية والاعتداءات الجزائرية “

 

تعد الهجرة إحدى الظواهر التي طبعت بقوة حياة المجتمعات المعاصرة، سواء في دول الشمال أو في دول الجنوب، وهي ظاهرة متعددة الأوجه والأبعاد، وتمس مجموعة من المجالات منها ما هو سياسي وامني واقتصادي واجتماعي، فمعظم الأشخاص الذين يهاجرون لا يتخذون قرار مغادرة بلدهم الأصلي بسهولة، لكن الفقر وعدم القدرة على الكسب أو الإنتاج بما يكفي لكي يعيل الشخص نفسه وأسرته، أو تحت إكراه الحروب والصراعات بمختلف أنواعها هي التي تدفعه إلى هذه الظاهرة، بحثا عن العمل لضمان لقمة العيش والاستقرار.

وفي إطار الاهتمام بحقوق الإنسان، من طرف المجتمع الدولي والمنظمات والهيئات الدولية المعنية بذلك، صدرت مجموعة من الإعلانات والاتفاقيات والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان والبروتوكولات الملحقة بها، على احترام حقوق الإنسان كما هو متعارف عليها دوليا. ونظرا لكثرتها من الصعب التطرق إليها بشكل كامل، وللإشارة فقط يمكن ذكر البعض منها:

 الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المؤرخ في 10 دجنبر 1948’

 العهدين الدوليين الأول الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والثاني الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادرين بتاريخ 17 دجنبر 1977’

 الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري المؤرخ في 21 دجنبر 1975’

 اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة المؤرخ في 18 دجنبر 1979’

 اتفاقية حقوق الطفل المؤرخة في 20 نونبر 1989’

 اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة المؤرخة في 10 دجنبر 1984’

 الإتفاقية الدولية لحماية حقوق العمال المهاجرين وأفراد أسرهم المؤرخة بتاريخ 18 دجنبر 1990.

فجميع هذه الاتفاقيات والمعاهدات تتضمن مجموعة من الحقوق والحريات كحق التنقل، والتمتع باللجوء خلاصا من الاضطهاد، أو تمييز بسبب العرق أو اللون أو اللغة ….، وكذا اتخاذ تدابير حماية ومساعدة خاصة لصالح جميع الأطفال والمراهقين من الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي، كما نصت على أن تتخذ كل دولة إجراءات لمنع أعمال التعذيب في إقليمها أو طرد أي شخص أو أن تعيده أو أن تسلمه إلى دولة أخرى، إذا توافرت لديها أسباب حقيقية تدعو إلى الاعتقاد بأنه سيكون في خطر التعرض للتعذيب، وغيرها من الحقوق والحريات.

لذلك، فالتعامل مع المهاجرين غير النظاميين يختلف من دولة إلى أخرى بحسب تشريعاتها وقوانينها، ومدى التزامها بالقوانين الوطنية والدولية، فهناك من الدول التي تتعامل مع قضية الهجرة والمهاجرين، بنوع من التقدير والمعاملة الإنسانية التي تليق بالمهاجر، وتحفظ كرامته وإنسانيته في إطار الشرعية الدولية. وهناك من الدول التي لا تعير للمهاجرين أي اعتبار وأدنى شروط المعاملة الإنسانية كما هو الحال بالنسبة للجزائر، ولا أدل على ذلك الاعتداءات التي قامت بها السلطات الجزائرية في حق مجموعة من المهاجرين المنحدرين من دول جنوب الصحراء، الذين يقدر عددهم بحوالي 400 مهاجر من بينهم نساء وأطفال، حيث أبعدتهم إلى الصحراء بحوالي 15 كلم من حدود النيجر، بعد أن سجنت البعض منهم وقامت بالاعتداء عليهم بمختلف أنواع الممارسات المشينة وللإنسانية، وتمزيق جوازات سفرهم، مما يشكل خرقا سافرا للقانون الدولي والاتفاقيات الدولية في هذا الشأن.

وقد شكلت شهادة طفل غيني احمد يبلغ من العمر 15 سنة، وهو يروي تفاصيل رحلة العذاب وحجم التنكيل الذي تعرض لها من العسكر الجزائري مخاطبين الطفل بعبارة “عد إلى إفريقيا”، بعد أن وجد نفسه معتقلا بالسجون الجزائرية، حيث قضى أكثر من أربعة أشهر، ثم مرحلا قسرا نحو دولة النيجر وسط الصحراء رفقة المئات من المهاجرين الآخرين، صدمة قوية للمنظمات الإنسانية.

هذه التصرفات المقيتة تبين بالملموس مدى فضاعة السلطات الجزائرية في التعامل مع مثل هذه الأمور والقضايا، كما عرت زيف شعارات النظام بشأن الإنتماء السياسي لإفريقيا والتضامن الإفريقي. فما يلاحظ أن الجزائر متناقضة حتى مع نفسها، فلا هي دولة عبور ولا هي دولة استقرار، ولا تطبق الاتفاقيات الدولية ولا تميز بين وضعية اللاجئ والمهاجر غير النظامي.

لكن ما قامت به السلطات الجزائرية ليس بجديد في حق مهاجرين أفارقة، غادروا بلدانهم بحثا عن حياة أفضل، فاصطدموا بواقع مرير حيث وجدوا أنفسهم وسط الصحراء دون مراعاة للقيم الإنسانية وقوانين حقوق الإنسان. فقد سبق لها أن طردت خلال ستة الأشهر الأولى من عام 2022 حوالي 11.652 شخصا على الأقل. وبحسب تقديرات المنظمة الدولية للهجرة، فان الجزائر طردت باتجاه النيجر 35600 نيجيري منذ العام 2014، بينهم أكثر من 12 ألفا منذ مطلع العام 2018.

لذا، فان مثل هذه الممارسات الجزائرية المشينة، تفرض على المجتمع الدولي التدخل لحماية حقوق المهاجرين الأفارقة من دول جنوب الصحراء، وإلزام الجزائر بإعادة النظر في سياستها إزاء الهجرة والمهاجرين، بل والانخراط وربط علاقات التعاون مع بلدان القارة الإفريقية، قائمة على حسن الجوار والمصالح المشتركة في إطار جنوب- جنوب، باعتبارها جزء لا يتجزأ من دول القارة الإفريقية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.