بقلم: محمد العربي القباج
مناضل قيادي سابق بالاتحاد العام للشغالين بالمغرب
يشكل تخليد الذكرى العشرين لتأسيس الاتحاد الدولي للنقابات (CSI)، الذي رأى النور يوم فاتح نونبر 2006 بالعاصمة النمساوية فيينا، مناسبة مهمة لاستحضار محطة تاريخية في مسار الحركة النقابية العالمية، والتوقف عند الدور الذي تضطلع به هذه المنظمة في توحيد صوت الشغيلة عبر العالم، والدفاع عن حقوقها ومكتسباتها في مواجهة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتسارعة.
لقد جاء تأسيس هذه المنظمة نتيجة توحيد مكونات نقابية دولية كبرى، في مقدمتها الكونفدرالية الدولية للنقابات الحرة والكونفدرالية العالمية للشغل، إلى جانب تنظيمات نقابية أخرى، في خطوة عكست وعياً متزايداً بضرورة تجاوز التشتت النقابي وبناء قوة دولية قادرة على الدفاع عن مصالح العمال والعاملات، في عالم أصبحت فيه رؤوس الأموال والشركات متعددة الجنسيات تتجاوز الحدود الوطنية، بينما ظلت حقوق الشغيلة في كثير من الأحيان رهينة موازين قوى غير متكافئة.
وتكتسي هذه الذكرى بالنسبة إليّ دلالة خاصة، بحكم مشاركتي الفعالة في المؤتمر التأسيسي للاتحاد الدولي للنقابات، الذي انعقد بفيينا بالنمسا سنة 2006، ضمن الوفد النقابي المغربي. وقد شكلت هذه المشاركة تجربة نضالية ونقابية متميزة، أتيحت لي من خلالها معايشة لحظة تاريخية تمثلت في توحيد مكونات نقابية دولية كبرى ضمن إطار عالمي جديد، قائم على التضامن والتنسيق والدفاع المشترك عن حقوق الطبقة العاملة. كما شكلت مناسبة للوقوف عن قرب على أهمية العمل النقابي الدولي، وما يتيحه من إمكانيات لتبادل التجارب وتوحيد المواقف وتقوية صوت الشغيلة في مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية. وهي تجربة أعتز بها في مساري النقابي، وأعتبرها جزءاً من الرصيد النضالي الذي راكمته داخل الاتحاد العام للشغالين بالمغرب.
إن قيمة الاتحاد الدولي للنقابات لا تكمن فقط في عدد المنظمات المنضوية تحت لوائه أو امتداده الجغرافي، وإنما في قدرته على تحويل التضامن النقابي من مجرد إعلان للمواقف إلى آلية للتأثير والترافع والضغط من أجل إقرار الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للطبقة العاملة.
فخلال عقدين من الزمن، ساهم الاتحاد، إلى جانب شركائه وحلفائه، في الدفع نحو تعزيز معايير العمل الدولية، والدفاع عن الحق في التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية والإضراب، كما واكب الجهود الرامية إلى الاعتراف بالصحة والسلامة المهنية باعتبارهما من الحقوق الأساسية، ومحاربة العمل القسري وعمل الأطفال، والتصدي للعنف والتحرش داخل أماكن العمل.
كما كان له حضور في النقاشات الدولية المرتبطة بالحماية الاجتماعية، والحد الأدنى للأجور، والعمل اللائق، والانتقال البيئي العادل، والتحولات التي تفرضها الرقمنة والذكاء الاصطناعي على مستقبل التشغيل.
وهذه المنجزات تؤكد أن العمل النقابي لم يعد محصوراً في المطالب الفئوية أو النزاعات الاجتماعية داخل المؤسسات، بل أصبح فاعلاً أساسياً في صياغة السياسات الاقتصادية والاجتماعية والدفاع عن القضايا الأساسية التي يثيرها الاتحاد الدولي للنقابات اليوم العلاقة بين تركيز الثروة والسلطة الاقتصادية من جهة، وتراجع الديمقراطية والعدالة الاجتماعية من جهة أخرى.
فحين تتسع الفوارق الاجتماعية، وتضعف الحماية الاجتماعية، وتتراجع قدرة العمال على التفاوض والدفاع عن مصالحهم، تصبح الديمقراطية نفسها أمام تحديات حقيقية.
ومن هنا تبرز أهمية النقابات باعتبارها مؤسسات للتأطير والمشاركة والدفاع عن المصالح الجماعية، وفضاءات تتيح للعمال التعبير عن مطالبهم والمساهمة في صناعة القرار الاقتصادي والاجتماعي.
كما أن التحديات الجديدة، من قبيل الذكاء الاصطناعي والعمل عبر المنصات الرقمية والتحولات المناخية، تفرض على الحركة النقابية تطوير أدواتها وآليات تدخلها، حتى لا تتحول هذه التحولات إلى وسيلة جديدة للمساس بالأمن المهني والاجتماعي للعمال.
ماذا يعني هذا المسار بالنسبة للاتحاد العام للشغالين بالمغرب؟ إن استحضار هذه الذكرى يكتسي أهمية خاصة بالنسبة إلينا، نحن الذين عشنا مراحل متعددة من النضال داخل الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، وآمنا بأن العمل النقابي ليس مجرد انتماء تنظيمي أو موقع مسؤولية، بل هو التزام مبدئي بالدفاع عن كرامة الشغيلة وحقوقها ومكتسباتها.
إن ارتباط الحركة النقابية المغربية بالمنظمات النقابية الدولية يفتح أمامها آفاقاً واسعة للاستفادة من التجارب والخبرات، وتبادل الممارسات الفضلى، وتقوية حضورها في المحافل الدولية، والترافع عن قضايا العمال المغاربة في إطار المعايير والاتفاقيات الدولية.
غير أن أهمية هذا الانتماء لا ينبغي أن تقاس فقط بحضور المؤتمرات واللقاءات الدولية أو المشاركة في الأنشطة الرسمية، وإنما بما يمكن أن ينتج عنه من تطوير للأداء النقابي الوطني، وتقوية المفاوضة الجماعية، وتحسين ظروف العمل، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتعزيز مكانة النقابة داخل المجتمع.
ومن هذا المنطلق، فإن المطلوب هو جعل العلاقات النقابية الدولية رافعة حقيقية لتأهيل العمل النقابي بالمغرب، مع الاستثمار في تكوين الأطر النقابية الشابة، وتبادل التجارب، وتطوير آليات الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للشغيلة.
إن عشرين سنة من عمر الاتحاد الدولي للنقابات تذكرنا بأن قوة الحركة النقابية لا تصنعها الشعارات وحدها، وإنما يصنعها التنظيم الديمقراطي، ووحدة الصف، والاستقلالية في اتخاذ القرار، والقدرة على تجديد النخب، والتشبث بالمبادئ المؤسسة للعمل النقابي.
كما أن الوفاء للتاريخ النضالي للاتحاد العام للشغالين بالمغرب يقتضي الحفاظ على رصيده وتراكماته، ونقل قيم التضحية والالتزام والمسؤولية إلى الأجيال الجديدة، حتى تظل المنظمة فضاءً للدفاع عن الشغيلة، وليس مجرد إطار للتدبير التنظيمي.
إن القضايا التي تواجه الطبقة العاملة المغربية، من القدرة الشرائية والأجور والتقاعد والحماية الاجتماعية إلى الهشاشة والتشغيل، لا تنفصل عن التحولات التي يعرفها العالم. ولذلك فإن تعزيز التضامن النقابي الدولي أصبح ضرورة تفرضها طبيعة التحديات الجديدة.
إن الذكرى العشرين لتأسيس الاتحاد الدولي للنقابات ليست مجرد مناسبة للاحتفال بما تحقق، بل هي أيضاً دعوة إلى تجديد الالتزام بقيم التضامن والحرية النقابية والعدالة الاجتماعية والعمل اللائق.
فالرأسمال أصبح عابراً للحدود، والتحديات التي تواجه العمال أصبحت عالمية، ومن الطبيعي أن يكون الدفاع عن حقوقهم منظماً وممتداً على المستوى الدولي.
ومن موقع مناضل عايش مساراً طويلاً من العمل النقابي، أؤكد أن قوة النقابة تقاس بمدى قربها من العمال، وصدقها في الدفاع عن مطالبهم، واستقلالية قرارها، وقدرتها على تحويل الالتزامات إلى نتائج ملموسة.
فلا نقابة قوية دون مناضلين أوفياء، ولا تضامن دولي فعال دون حركة نقابية وطنية قوية، ولا تنمية حقيقية دون ضمان كرامة العامل وحقوقه.