بقلم: محمد العربي القباج
في الخامس من أكتوبر من كل سنة، يحتفل العالم باليوم العالمي للمعلم، اعترافاً بالدور الذي تضطلع به هذه الفئة في بناء الإنسان والمجتمع وصناعة المستقبل. لكن في المغرب، ينبغي أن يكون هذا اليوم أكثر من مناسبة لتبادل عبارات التهنئة والإشادة. إنه مناسبة لطرح سؤال صريح: أي مكانة نريد للمعلم داخل منظومة تربوية نريد لها أن تنتقل من إصلاح إلى آخر، دون أن تنجح دائماً في معالجة جذور الأزمة؟ فالمدرس ليس مجرد موظف يؤدي ساعات محددة داخل القسم، وإنما هو أحد أهم أعمدة الدولة والمجتمع. ومن أمام سبورته تبدأ عملية بناء جيل المستقبل، وترسيخ المعرفة، وتكوين الشخصية، وتعليم الطفل كيف يفكر ويحاور وينتقد ويحترم الآخر. ولهذا فإن الحديث عن إصلاح التعليم دون وضع المدرس في قلب الإصلاح يظل ناقصاً.
لا أحد ينكر أن المدرس يتحمل مسؤولية مهنية وأخلاقية تجاه تلاميذه، وأن عليه أن يطور أداءه باستمرار. لكن من غير العدل أيضاً أن نحمله وحده مسؤولية كل إخفاقات المنظومة. فالوزارة نفسها تقر، ضمن تشخيصها لخارطة الطريق، باستمرار بعض مظاهر الاكتظاظ، ووجود أقسام متعددة المستويات في بعض المناطق، ونقص بعض الوسائل التعليمية والرقمية، وضغط البرمجة الدراسية، فضلاً عن حالات الإرهاق النفسي التي يعيشها عدد من المدرسين. كما جعلت خارطة الطريق هدفاً للقضاء على حالات الاكتظاظ الشديد، وتعزيز الموارد البشرية وتحسين أدوات العمل. إذن، المشكلة ليست في المدرس وحده، وإنما في شروط ممارسة المهنة.
وإذا كنا نريد من الأستاذ أن يكون مبدعاً ومبتكراً وقادراً على معالجة الفوارق بين التلاميذ، فلا بد أن نوفر له القسم الملائم، والوسائل الضرورية، والتكوين المستمر، والوقت الكافي، والاستقرار المهني، والاعتراف الاجتماعي.
لا يمكن إنكار أن قطاع التعليم عرف خلال السنوات الأخيرة أوراشاً متعددة: تعميم التعليم الأولي، مؤسسات الريادة، الدعم التربوي، مدارس الفرصة الثانية، توسيع العرض المدرسي، ومحاربة الهدر المدرسي.
وتؤكد المعطيات الرسمية أن الموسم الدراسي 2026-2027 يعرف توسعاً كبيراً في مؤسسات الريادة، حيث بلغ عدد المدارس الرائدة في التعليم الابتدائي إلى 6753 مؤسسة، إضافة إلى 1358 مؤسسة في التعليم الإعدادي، كما يتواصل دعم مدارس الفرصة الثانية لمواجهة الانقطاع عن الدراسة.
لكن الاعتراف بهذه المجهودات لا يعني أن الأسئلة الكبرى قد انتهت. فنجاح أي إصلاح لا يقاس فقط بعدد المؤسسات التي دخلت برنامجاً جديداً، ولا بعدد المشاريع التي تم إطلاقها، وإنما بما يحدث داخل القسم: هل أصبح التلميذ يتعلم بشكل أفضل؟ هل تراجعت الفوارق بين المدرسة في المدينة والمدرسة في العالم القروي؟ هل تقلص الهدر المدرسي بصورة مستدامة؟ هل أصبح المدرس أكثر قدرة على القيام بعمله؟ وهل استعادت الأسر ثقتها في المدرسة العمومية؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تحدد نجاح الإصلاح.
قد تعلن المؤسسات الرسمية عن تراجع متوسط الاكتظاظ، لكن المشكلة لا تزال تختلف من منطقة إلى أخرى ومن مؤسسة إلى أخرى. فالوزارة أعلنت في فبراير 2026 أن هدفها هو خفض نسبة الاكتظاظ إلى أقل من 2%، وألا يتجاوز عدد التلاميذ في القسم 36 تلميذاً. غير أن الرقم الوطني لا يجب أن يخفي الحالات المحلية التي قد يجد فيها الأستاذ نفسه أمام قسم مكتظ بالتلاميذ أو ظروف تعليمية صعبة. فالتلميذ ليس رقماً في جدول إحصائي، والمدرس ليس رقماً في خريطة الموارد البشرية. كل تلميذ يحتاج إلى زمن دراسي كافي، وكل مدرس يحتاج إلى مساحة حقيقية للتدريس والمتابعة والتقويم.
لا تزال بعض المناطق، خصوصاً القروية والنائية، تواجه تحديات مختلفة عن المدن. والوزارة نفسها تشير إلى استمرار بعض حالات الأقسام متعددة المستويات نتيجة نقص الموارد أو القاعات أو صعوبات التخطيط وتوزيع الموارد. وهنا تطرح العدالة المجالية نفسها بقوة: هل يمكن أن نتحدث عن تكافؤ الفرص إذا كان الطفل في بعض المناطق يدرس في ظروف مختلفة جذرياً عن طفل آخر يعيش في مركز حضري؟
إن المدرسة العمومية مطالبة بأن تكون أداة لتقليل الفوارق المجالية، لا أن تصبح انعكاساً لها.