كرة القدم بين طقوس دينية جديدة و مرآة للمجتمع المغربي الحديث؟

بقلم: محمد العربي القباج

لم تعد كرة القدم في المغرب مجرد رياضة أو وسيلة للترفيه؛ فقد أصبحت ظاهرة اجتماعية حاضرة بقوة في الحياة اليومية، من المقاهي والبيوت إلى الملاعب ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. ومع كل مباراة للمنتخب الوطني أو للأندية الكبرى، يتغير إيقاع الحياة، وتتحول النتيجة إلى موضوع للنقاش والاحتفال أو الحزن.
ومن هنا ظهر تعبير «كرة القدم هي الدين الجديد». والمقصود هنا ليس الدين بمعناه العقائدي، وإنما قوة التعلق والانتماء التي أصبحت كرة القدم تخلقها لدى فئات واسعة من المجتمع.
أبرز مثال مغربي هو المنتخب الوطني، خصوصاً منذ الإنجاز التاريخي في كأس العالم قطر 2022. فقد تحولت مباريات المنتخب إلى لحظات جماعية جمعت المغاربة داخل المغرب وخارجه، وخرجت الجماهير إلى الشوارع للاحتفال، وارتفعت الأعلام الوطنية في المدن والقرى وبين أفراد الجالية المغربية في مختلف البلدان. وكان لهذا الانتصار الرياضي أثر واضح في تعزيز مشاعر الفخر والانتماء الوطني.
لكن الوجه الآخر للسؤال هو: لماذا تستطيع كرة القدم أن توحد المغاربة بهذه السرعة، بينما تحتاج قضايا اجتماعية وثقافية أخرى إلى سنوات من النقاش دون أن تحقق القدر نفسه من الاهتمام؟
ربما لأن كرة القدم تقدم للناس لحظة فرح جماعية وفورية، بينما القضايا الاجتماعية تحتاج إلى صبر وعمل طويل ونتائج لا تظهر بسرعة.
في الملاعب المغربية، كما في ملاعب العالم، ظهرت ظواهر لا يمكن تجاهلها: العنف، الشغب، السب والقذف، تخريب الممتلكات، والمواجهات المرتبطة أحياناً بمباريات كرة القدم. وهنا تتحول المدرجات من فضاء للفرجة إلى مصدر للتوتر.
ولا يمكن تحميل كرة القدم وحدها مسؤولية هذه الظواهر؛ فالشغب له أسباب اجتماعية وتربوية وأمنية وثقافية متعددة. لكن من المؤكد أن التعصب الرياضي يمكن أن يصبح قناة لتفجير توترات موجودة أصلاً داخل المجتمع.
والمفارقة أن لعبة يفترض أن تعلم الأطفال احترام المنافس وقبول الخسارة قد تتحول، في بعض الحالات، إلى مناسبة للإهانة والعنف.
حين يصبح اللاعب قدوة أكثر من الأستاذ هناك جانب آخر يستحق النقاش: تأثير نجوم كرة القدم على الشباب المغربي.
أسماء مثل أشرف حكيمي، وياسين بونو، وحكيم زياش وغيرهم أصبحت تحظى بشعبية واسعة، ليس فقط بسبب أدائها الرياضي، وإنما لأنها تمثل قصص نجاح يستلهم منها الشباب الطموح وتحقيق الذات. وهذا الجانب إيجابي في حد ذاته.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح النجاح الرياضي هو النموذج الوحيد للنجاح في مخيلة بعض الأطفال والشباب، وكأن المستقبل لا يحتاج إلى طبيب أو مهندس أو أستاذ أو باحث أو حرفي، وإنما إلى لاعب كرة قدم فقط.
المجتمع يحتاج إلى نجوم الرياضة، لكنه يحتاج بالقدر نفسه إلى نجوم العلم والعمل والثقافة والابتكار.
في المغرب، لم تعد كرة القدم نشاطاً رياضياً فقط؛ فهي مرتبطة بالإشهار، وحقوق النقل، والاستثمار، وبيع التذاكر والمنتجات الرياضية، ورعاية الأندية والمسابقات.
وهذا التطور يمكن أن يساهم في خلق فرص اقتصادية وتطوير البنية الرياضية، لكنه يطرح أيضاً سؤالاً حول حجم الأموال التي تتحرك حول كرة القدم مقارنة بحجم الاهتمام والموارد الموجهة إلى رياضات أخرى.
فإذا كانت كرة القدم تستقطب أغلب الأضواء والإعلانات والجمهور، فكيف يمكن إعطاء ألعاب القوى، وكرة السلة، والرياضات الفردية، والرياضة المدرسية حقها في التطور؟ المطلوب ليس التقليل من كرة القدم، وإنما تحقيق قدر أكبر من التوازن الرياضي.
من المشاهد اليومية التي تستحق التأمل في المغرب أن المقاهي قد تمتلئ عن آخرها أثناء مباراة مهمة، وتدور نقاشات طويلة حول خطة المدرب وتشكيلة المنتخب وأخطاء الحكم.
وهذا طبيعي من حيث المبدأ.
لكن السؤال النقدي هو: هل نستطيع أن نخلق الاهتمام نفسه بقضايا التعليم والصحة والبيئة والشغل والشباب والمتقاعدين؟
المشكلة ليست أن المغاربة يحبون كرة القدم؛ بل أن تتحول كرة القدم إلى مساحة تستهلك جزءاً كبيراً من الاهتمام العام، بينما تبقى قضايا أخرى تمس حياة المواطنين اليومية في مرتبة ثانية.

كرة القدم كقوة وطنية ومع ذلك، سيكون من الظلم النظر إلى الظاهرة من زاوية سلبية فقط.
فالمنتخب المغربي أثبت أن كرة القدم يمكن أن تكون وسيلة لبناء شعور جماعي بالانتماء. كما أن الأندية المغربية التاريخية، وجماهيرها، والمدارس الكروية، واللاعبين المغاربة في البطولات الدولية، كلها تشكل جزءاً من الذاكرة الرياضية والثقافية للمغاربة.
كما أن نجاح كرة القدم النسوية وتطور حضور النساء في الملاعب والمنتخبات يفتحان مجالاً مهماً أمام توسيع المشاركة الرياضية. إذن، المطلوب ليس محاربة شعبية كرة القدم، وإنما تحويل هذه الشعبية إلى طاقة إيجابية.
هل أصبحت كرة القدم ديناً جديداً؟ إذا كان المقصود بالدين الجديد هو العقيدة والعبادة، فالجواب بالتأكيد لا. أما إذا كان المقصود هو قوة الانتماء، والطقوس الجماعية، والولاء، والفرح الجماعي، والقدرة على السيطرة على اهتمام الملايين، فإن التشبيه يفسر شيئاً من المكانة التي أصبحت تحتلها كرة القدم في المجتمع الحديث.
لكن الخطر يبدأ عندما يفقد الإنسان التوازن. فاللاعب ليس معصوماً من الخطأ، والحكم ليس عدواً، والفريق المنافس ليس خصماً شخصياً، والهزيمة الرياضية ليست كارثة وطنية.
كرة القدم المغربية حققت لحظات لا تنسى، ومنحت الملايين الفرح والفخر، وأصبحت جزءاً من الذاكرة الجماعية. لكن علينا أن نسأل أنفسنا: هل نريد كرة قدم تصنع الإنسان أم كرة قدم تستهلك الإنسان؟
نريد ملاعب ممتلئة، لكن دون عنف. نريد جماهير متحمسة، لكن دون كراهية.
نريد نجوماً كباراً، لكن إلى جانب نجوم العلم والثقافة والعمل. ونريد انتصارات رياضية، دون أن ننسى أن انتصار المجتمع الحقيقي يقاس أيضاً بمدرسته ومستشفاه وشغله وكرامة مواطنيه.
كرة القدم جميلة لأنها لعبة. وتصبح خطيرة عندما تتحول إلى قضية تتجاوز الإنسان.
لذلك، ربما لا تحتاج كرة القدم إلى أن تكون «ديناً جديداً»؛ بل تحتاج إلى أن تبقى رياضة جميلة، وأن نعرف نحن كيف نحبها دون أن نفقد بسببها عقلنا، وتوازننا، وأولوياتنا.

كرة القدم بين طقوس دينية جديدة و مرآة للمجتمع المغربي الحديث؟
التعليقات (0)
اضف تعليق