أزمة النقل بمكناس تفتح نقاش الحكامة الحضرية

فلاش24/محمد عبيد

أعادت أزمة النقل الحضري بمكناس، وما رافقها من صعوبات في الربط بين المدينة والجماعات المجاورة، طرح سؤال أوسع يتجاوز وضعية الحافلات والشركة المفوض لها تدبير القطاع، ليرتبط بمدى ملاءمة التقسيم الجماعي الحالي مع واقع التوسع العمراني والترابط اليومي بين مكناس وويسلان وتولال وغيرها.
فانتقال الحافلات بين هذه المجالات يفرض عبور حدود ترابية تابعة لجماعات مستقلة، الأمر الذي يجعل تمديد الخطوط أو إحداث أخرى جديدة رهينا باتفاقيات وترتيبات بين المجالس المعنية، بدل أن يتم في إطار رؤية موحدة لتدبير مجال حضري متكامل.
وتؤكد وثائق جماعة مكناس أن الإشكال ليس جديدا، إذ سبق للمجلس أن صادق سنة 2017 على اتفاقيات لتمديد أو إحداث خطوط للنقل نحو جماعات، من بينها تولال وويسلان وعين عرمة وعين كرمة وواد الرمان والدخيسة.
ويعيد هذا الوضع إلى الواجهة النقاش حول نموذج «وحدة المدينة» المعتمد منذ سنة 2003 في ست مدن كبرى، هي الدار البيضاء والرباط وطنجة ومراكش وفاس وسلا، والتي تخضع لنظام المقاطعات بموجب القانون التنظيمي رقم 113.14. غير أن هذا النموذج نفسه لم يخل من الاختلالات، إذ سجل المجلس الأعلى للحسابات محدودية في التنسيق وغياب رؤية موحدة لتدبير بعض المدن الكبرى.
وبالتالي، لا يتعلق الأمر بالقول إن نظام المقاطعات يمثل حلا جاهزا لمشاكل النقل أو النظافة، وإنما بطرح سؤال قدرة نموذج الحكامة الحالي على تدبير مرافق تتجاوز عمليا الحدود الإدارية للجماعات.
فالقانون التنظيمي للجماعات يضع النقل العمومي الحضري ضمن الاختصاصات الجماعية، كما يتيح إحداث مجموعات للجماعات الترابية أو مؤسسات للتعاون بينها لتدبير المرافق ذات الفائدة المشتركة.
كما أن أزمة النقل الحالية ليست معزولة عن اختلالات سابقة؛ فقد سبق للمجلس الجهوي للحسابات أن سجل ملاحظات بشأن عدم احترام بعض الالتزامات التعاقدية، خصوصا المتعلقة بالاستثمار وتجديد وتقوية الأسطول.
وأثير الملف أمام البرلمان سنة 2024، قبل أن يسجل المجلس الجماعي مخالفات في حق الشركة المفوض لها، ويفسخ العقد بعد عجزها عن مواصلة تقديم الخدمة.
ولا يقتصر الأمر على النقل، إذ تبرز الحاجة إلى تنسيق أقوى في مجالات النظافة والتطهير والتهيئة، فضلا عن توحيد الرؤية بشأن خدمات أخرى، من بينها الأمن، في ظل تداخل المجالات الحضرية واختلاف الجهات المكلفة بها.
وتطرح أزمة الحافلات، في هذا السياق، سؤالا أساسيا: هل يمكن تدبير النقل الحضري بمكناس بمعزل عن ويسلان وتولال وباقي الجماعات المرتبطة بها يوميا؟ أم أن الأمر بات يتطلب مؤسسة موحدة أو آلية قوية للتعاون بين الجماعات، تتولى التخطيط للمرافق على مستوى المجال الحضري برمته؟
فالتحدي المطروح أمام مكناس لا يتعلق فقط بتوفير أسطول جديد، بل بإيجاد نموذج للحكامة يجعل المجال الحضري المتكامل يدار بمنطق موحد، بدل أن تظل حركة السكان والخدمات خاضعة لحدود إدارية لا تعكس واقع المدينة كما يعيشها المواطنون.

أزمة النقل بمكناس تفتح نقاش الحكامة الحضرية
التعليقات (0)
اضف تعليق