لشهب محمد
باحث في التدبير العمومي والمالية العامة
مقدمة
يدخل المغرب مرحلة سياسية دقيقة مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026، في سياق بدأت فيه ملامح الاستحقاق الانتخابي تفرض نفسها على الخطاب السياسي والحزبي. ولم يعد السؤال المطروح يتعلق فقط بمن سيفوز بعدد أكبر من المقاعد، أو بمن سيقود الحكومة المقبلة، بل أصبح سؤالاً أعمق يتعلق بطبيعة الحياة الحزبية نفسها: هل ما زالت الأحزاب المغربية تتنافس انطلاقاً من تصورات سياسية وأيديولوجية متمايزة، أم أن التنافس أصبح يدور أساساً حول المواقع والمقاعد وإمكانات المشاركة في السلطة؟
فالانتخابات، في معناها الديمقراطي، ليست مجرد عملية تقنية لفرز الأصوات وتوزيع المقاعد. إنها، في جوهرها، لحظة للمفاضلة بين مشاريع مجتمعية مختلفة، وبين تصورات متباينة للاقتصاد والعدالة الاجتماعية والحريات ودور الدولة والسياسات العمومية. وإذا غابت هذه الاختلافات، أو أصبحت ثانوية أمام منطق الحسابات الانتخابية، فإن التعددية الحزبية قد تتحول من تعددية في المشاريع والأفكار إلى مجرد تعددية في الأسماء والرموز والتنظيمات.
ومن هنا تبرز أهمية العودة إلى مفهوم غالباً ما يُستعمل في الخطاب السياسي دون تدقيق كافٍ: الأيديولوجيا. فما المقصود بالأيديولوجية الحزبية؟ وهل يستطيع حزب سياسي أن يؤدي وظيفته التاريخية والدستورية من دون منظومة فكرية واضحة؟ والأهم من ذلك في السياق المغربي: هل ما زال مفهوم «الحزب الوطني» يحتفظ بمضمونه السياسي والتاريخي، أم أننا أصبحنا أمام أحزاب تتشابه في البرامج والتحالفات وتختلف أساساً في قدرتها على الفوز بالمقاعد والوصول إلى مواقع السلطة؟
أولاً: الأيديولوجيا ليست شعاراً انتخابياً بل رؤية لفهم المجتمع وتغييره
يُعد مفهوم الأيديولوجيا من أكثر المفاهيم تعقيداً ومراوغة في العلوم السياسية والاجتماعية. وقد وصف الباحث السياسي البريطاني ديفيد ماكليلان الأيديولوجيا بأنها من أكثر المفاهيم التباساً في العلوم الإنسانية. ويرجع ذلك إلى تعدد استعمالاتها واختلاف الدلالات التي اكتسبتها عبر التاريخ.
وقد ارتبط ظهور المصطلح بالمفكر الفرنسي أنطوان لويس كلود ديستوت دو تراسي، الذي استعمله للدلالة على «علم الأفكار». غير أن المفهوم تجاوز لاحقاً هذا المعنى الأول ليصبح مرتبطاً بمنظومات الأفكار والقيم والتصورات التي يعتمدها الأفراد والجماعات لفهم الواقع الاجتماعي والسياسي وتفسيره وتبرير مواقفهم منه.
وفي هذا الإطار، يمكن الاستناد إلى التعريف الذي قدمه مارتن سيلجر، والذي ينظر إلى الأيديولوجيا باعتبارها مجموعة من الأفكار التي يفسر من خلالها الناس ويبررون غايات ووسائل نشاطهم الاجتماعي المنظم، سواء كان الهدف هو المحافظة على النظام القائم أو تحويره أو إعادة بنائه.
وعندما نتحدث، إذن، عن الأيديولوجية الحزبية، فإننا لا نتحدث عن مجموعة من الشعارات التي تُرفع خلال الحملات الانتخابية، ولا عن كلمات عامة مثل «الكرامة» و«التنمية» و«الإصلاح» و«العدالة». فهذه القيم قد تتفق حولها معظم الأحزاب.
الأيديولوجية الحزبية تعني، في جوهرها، الإجابة عن أسئلة كبرى، من قبيل:
ما تصور الحزب للدولة ودورها في الاقتصاد والمجتمع؟
ما موقفه من العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة؟
كيف ينظر إلى القطاع الخاص والاستثمار والسوق؟
ما تصوراته للخدمات العمومية؟
كيف يفهم الحرية والمساواة؟
ما موقع المجال الترابي والعدالة المجالية في مشروعه؟
كيف يتصور العلاقة بين الدولة والمجتمع؟
ما الأولويات التي يعتبرها الحزب غير قابلة للتأجيل؟
إن الأيديولوجيا، بهذا المعنى، تشبه البوصلة السياسية؛ فهي التي تسمح للحزب بتحديد اتجاهه، وتساعد المواطن على فهم الفرق بين حزب وآخر.
ثانياً: لماذا تحتاج الأحزاب إلى أيديولوجيا؟
لا يمكن اختزال الأيديولوجيا في مجرد تراث فكري أو مرجعية نظرية. فلها وظائف سياسية أساسية تجعلها عنصراً مهماً في الحياة الديمقراطية.
1. الأيديولوجيا أداة للمعرفة السياسية
توفر الأيديولوجيا إطاراً لفهم الواقع وتفسيره. فالحزب السياسي لا ينظر إلى البطالة أو الفقر أو الضرائب أو الاستثمار أو الخدمات العمومية باعتبارها مجرد ملفات تقنية، بل من خلال تصور معين للمجتمع والدولة.
فقد يفسر حزب البطالة باعتبارها نتيجة لضعف الاستثمار الخاص، بينما يراها حزب آخر نتيجة لغياب تدخل الدولة، وقد يربطها طرف ثالث باختلالات التعليم والتكوين.
إن اختلاف الحلول يبدأ غالباً من اختلاف طريقة فهم المشكلة نفسها.
ومن هنا، فإن الحزب الذي لا يمتلك رؤية فكرية واضحة يصبح معرضاً للانتقال من موقف إلى آخر بحسب الظرف السياسي، ومن خطاب إلى آخر بحسب الجمهور المستهدف، ومن تحالف إلى آخر بحسب الحسابات الانتخابية.
2. الأيديولوجيا تمنح الفعل السياسي معنى
السياسة ليست مجرد تقنية للوصول إلى السلطة. فالسلطة، في الديمقراطية، وسيلة لتنفيذ مشروع سياسي.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرحه المواطن ليس فقط: من يستطيع الفوز؟ بل أيضاً: ماذا سيفعل هذا الحزب إذا فاز؟ ولماذا يريد ممارسة السلطة؟
فالفرق بين حزب يمتلك مشروعاً سياسياً وحزب يبحث فقط عن المشاركة في السلطة، هو أن الأول يعتبر المقاعد وسيلة لتحقيق برنامج، بينما قد يصبح المقعد بالنسبة إلى الثاني غاية في حد ذاته.
3. الأيديولوجيا تؤدي وظيفة الهوية
تسمح الأيديولوجيا للحزب بأن يمتلك شخصية سياسية واضحة.
فالمواطن، في الديمقراطيات التي تتميز بحياة حزبية ناضجة، يستطيع غالباً أن يميز بين الأحزاب من خلال مواقفها الأساسية، حتى قبل قراءة برامجها الانتخابية.
أما عندما تصبح الأحزاب متقاربة في الخطاب، ومتداخلة في التحالفات، ومتشابهة في الوعود، فإن المواطن يجد صعوبة في الإجابة عن سؤال بسيط: ما الفرق الجوهري بين هذه الأحزاب؟
وهنا تتحول السياسة تدريجياً من منافسة بين الأفكار إلى منافسة بين الأشخاص.
ثالثاً: الدستور المغربي لا يتصور الحزب باعتباره مجرد آلة انتخابية
حدد الفصل السابع من دستور المملكة لسنة 2011 وظيفة الأحزاب السياسية بشكل واضح، إذ جعل منها مؤسسات تعمل على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية وفي تدبير الشأن العام، كما تساهم في التعبير عن إرادة الناخبين والمشاركة في ممارسة السلطة على أساس التعددية والتناوب بالوسائل الديمقراطية.
وبالتالي، فإن الوظيفة الدستورية للحزب لا تختزل في البحث عن الأصوات خلال فترة الحملة الانتخابية.
الحزب، وفقاً للمنطق الدستوري، ينبغي أن يكون:
مؤسسة للتأطير السياسي؛
فضاءً لتكوين النخب؛
مدرسة للممارسة الديمقراطية؛
أداة للتعبير عن المصالح والاختيارات المجتمعية؛
وسيلة للمشاركة في تدبير الشأن العام.
إن هذا التصور يضع مسافة كبيرة بين الحزب باعتباره مؤسسة سياسية والحزب باعتباره مجرد آلة انتخابية.
فالآلة الانتخابية تستيقظ مع اقتراب الانتخابات وتبحث عن المرشحين القادرين على الفوز، بينما المؤسسة السياسية تشتغل طوال الوقت على التأطير والتكوين وإنتاج الأفكار وتقييم السياسات العمومية.
وقد نص الدستور أيضاً على أن الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة تشكل أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي. غير أن جودة الانتخابات لا ترتبط فقط بسلامة عملية الاقتراع، بل كذلك بمدى قدرة المواطن على الاختيار بين بدائل سياسية حقيقية.
رابعاً: هل ما زالت لدينا أحزاب وطنية بالمعنى الحرفي؟
هذا السؤال يقتضي أولاً التمييز بين مفهومين: الحزب الوطني باعتباره حزباً له جذور تاريخية، والحزب الوطني باعتباره حزباً يؤدي وظيفة وطنية مستمرة.
فليس كل حزب وطني بالضرورة حزباً قديماً، كما أن التاريخ وحده لا يكفي لمنح أي تنظيم صفة الوطنية بشكل دائم.
يمكن القول إن الحزب الوطني، بالمعنى السياسي العميق، هو الحزب الذي تتجاوز وظيفته البحث عن المقاعد، ويملك مشروعاً يتعلق بالمجتمع والدولة ومستقبل الوطن.
الحزب الوطني الحقيقي هو الذي يستطيع أن يجيب عن السؤال التالي:
ماذا نريد للمغرب خلال العشرين سنة المقبلة؟
وليس فقط:
كيف سنفوز في الانتخابات المقبلة؟
الوطنية السياسية، بهذا المعنى، لا تقاس بتاريخ الحزب وحده ولا بعدد مقاعده، وإنما تقاس أيضاً بقدرته على:
الدفاع عن مشروع مجتمعي واضح؛
إنتاج نخب سياسية ذات كفاءة؛
تأطير المواطنين باستمرار؛
تقديم مواقف مستقلة ومفهومة؛
ممارسة المعارضة عندما يقتضي الأمر ذلك؛
تقديم المصلحة العامة على الحسابات التنظيمية الضيقة.
ومن هنا، فإن الأزمة الحقيقية ليست في غياب الأحزاب الوطنية، وإنما في احتمال تحول بعض الأحزاب، مهما كان تاريخها أو حجمها، إلى تنظيمات انتخابية تضع منطق الفوز قبل منطق المشروع.
خامساً: من التنافس حول الأفكار إلى التنافس حول المواقع؟
من الصعب إنكار أن جزءاً من النقاش السياسي المعاصر أصبح يتمحور حول أسئلة من قبيل:
من سيتصدر الانتخابات؟
من سيحصل على أكبر عدد من المقاعد؟
من سيدخل الحكومة؟
من سيحصل على الحقائب الوزارية؟
من سيتحالف مع من؟
هذه الأسئلة مشروعة بطبيعة الحال، لأن السياسة الديمقراطية تتعلق أيضاً بالسلطة وتشكيل الحكومات. لكن الإشكال يبدأ عندما تصبح هذه الأسئلة هي كل السياسة.
فعندما يتراجع النقاش حول البرامج والمشاريع، ويتقدم الحديث عن المقاعد والحقائب، تصبح السياسة معرضة للتحول إلى ما يمكن تسميته اقتصاداً سياسياً للمواقع.
وهنا ينتقل الحزب من منطق:
«نريد الوصول إلى السلطة لتنفيذ مشروعنا.»
إلى منطق مختلف:
«نريد الوصول إلى السلطة، ثم سنرى ما الذي يمكن فعله.»
والفرق بين العبارتين كبير جداً.
إن السياسة، بطبيعتها، مرتبطة بالصراع حول السلطة، ولا يوجد ما يعيب الحزب في رغبته في الفوز. بل إن الحزب الذي لا يسعى إلى التأثير في القرار العام يفقد جزءاً من وظيفته السياسية.
لكن المشكلة تظهر عندما يصبح الفوز غاية مستقلة عن المشروع.
فعندئذ قد يصبح البرنامج قابلاً للتعديل، والخطاب قابلاً للتغيير، والتحالفات قابلة للانتقال، والمواقف قابلة لإعادة الصياغة، لأن الثابت الوحيد يصبح هو المحافظة على الموقع.
سادساً: الأحزاب الإدارية بين المفهوم التاريخي والجدل السياسي
يُستعمل في الأدبيات السياسية المغربية تعبير «الأحزاب الإدارية» للدلالة، في الأصل، على أحزاب وُجهت إليها انتقادات تتعلق بطبيعة نشأتها وعلاقتها بالسلطة الإدارية وبالفاعلين النافذين.
وقد ظهر هذا المفهوم بقوة في الخطاب السياسي المغربي، خصوصاً لدى بعض قوى المعارضة، لوصف أحزاب اعتُبر أنها لم تنشأ من دينامية اجتماعية أو نضالية مستقلة، وإنما استفادت من دعم أو رعاية أو توافقات مرتبطة بالسلطة.
وتشير بعض الدراسات الأكاديمية حول التجربة الحزبية المغربية إلى التمييز بين أحزاب ذات جذور مرتبطة بالحركة الوطنية، وأحزاب ذات مرجعية إسلامية، وأحزاب وُصفت في الأدبيات السياسية بالأحزاب القريبة من السلطة أو «الأحزاب الإدارية». غير أن هذا التصنيف يظل موضوع نقاش وخلاف سياسي وعلمي، ولا ينبغي تحويله إلى حكم قانوني أو اتهام جاهز ضد حزب بعينه.
ومن الناحية التحليلية، فإن الإشكال الأهم ليس فقط في سؤال: من هو الحزب الإداري؟
بل في سؤال أكثر عمقاً:
هل يمتلك الحزب استقلالاً سياسياً حقيقياً في إنتاج مواقفه وقراراته؟ وهل تعكس مرشحاته وبرامجه دينامية حزبية ومجتمعية، أم أن منطق الأعيان والقدرة الانتخابية أصبح هو المحدد الرئيسي للحضور السياسي؟
فالخطر الحقيقي على الحياة الحزبية ليس في الاسم الذي نطلقه على الحزب، بل في تحول السياسة إلى منافسة بين شبكات انتخابية بدل أن تكون منافسة بين مشاريع مجتمعية.
سابعاً: هل ماتت الأيديولوجيا في السياسة المغربية؟
القول بموت الأيديولوجيا قد يكون حكماً متسرعاً.
فحتى عندما تتراجع الشعارات الأيديولوجية الكبرى، تبقى الا