نجيب اندلسي
في مشهد يعكس مفارقة لافتة بين حيوية المبادرات الشبابية وبرود تفاعل الجهات المسؤولة، نجح شباب مدينة مراكش في كتابة صفحة مضيئة من الإبداع، عبر تنظيم النسخة الأولى من مهرجان فكاهي الأحياء، متحدّين الإكراهات وقلة الإمكانيات، ومثبتين أن الإرادة قادرة على تعويض غياب الدعم.
المهرجان، الذي احتضنته أحياء المدينة الحمراء، لم يكن مجرد تظاهرة فنية عابرة، بل تحوّل إلى فضاء مفتوح لاكتشاف المواهب وصقلها، حيث عرف مشاركة واسعة لشباب مبدع، وحضورا جماهيريا لافتا أعاد إلى الأذهان زمن الأنشطة الثقافية التي كانت تضخ الحياة في شرايين المدينة.
ورغم غياب أي دعم مؤسساتي، تمكنت جمعية شباب رياض السلام من رفع التحدي، معتمدة على إمكانياتها الذاتية، ومساندة عدد من الفنانين المؤمنين بقيمة العمل الجماعي، في تجربة تؤكد أن الثقافة يمكن أن تزدهر حتى في أقسى الظروف.
وتحت إشراف الفنان يونس الصردي، أبانت هذه المبادرة عن مستوى تنظيمي محترم، ورسخت قناعة مفادها أن الطاقات المحلية قادرة على خلق الحدث وصناعة الفرجة، متى توفرت الإرادة والرؤية.
غير أن هذا النجاح لم يخفِ جانبا مظلما، يتمثل في تجاهل واضح من طرف المجالس المنتخبة، رغم أن الجمعية سبق أن تقدمت بطلبات دعم إلى مختلف المؤسسات المعنية، دون أن تلقى أي تفاعل يذكر. وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول موقع الثقافة والشباب ضمن أولويات السياسات المحلية.
مهرجان فكاهي الأحياء لم يكن حدثا يخص حيا بعينه، بل كان مرآة تعكس روح مراكش وإبداع شبابها، ورسالة قوية مفادها أن المدينة لا تزال تنبض بالحياة، رغم الإقصاء والتهميش.
فإلى متى سيظل هذا العطاء الشبابي يواجه بالصمت؟ وهل تدرك الجهات المعنية أن دعم مثل هذه المبادرات ليس ترفا، بل رافعة أساسية لتنمية ثقافية حقيقية؟
إن ما تحقق في مراكش هو أكثر من مهرجان.. إنه درس في الإصرار، ورسالة واضحة: حين يغيب الدعم، يحضر الإبداع.