بوناصر المصطفى
عادة ما ارتبط داء الصرع بالكائن الإنساني إما وراثيا أو جينيا نتيجة التهاب السحايا، لكن أن يصاب به عنصرا مؤسساتيا وأخص بالذكر المجتمع المدني فهذا مجرد إسقاط قصد استقصاء إشكال مطروح بحدة وظهور أعراض غريبة وعاهة أعاقت أدواره لتنقلب رأسا على عقب فأدخلته في عتمة قاتمة، فبعد أن استبشرنا بالحق المكتسب في الشراكة الاستراتيجية مع دستور2011 ويتحقق الارتقاء من ديكور مدني لمنصب القيادة والمشاركة في صناعة القرار.
صحيح أن مهامه القيادية اكتسبها بالقوة والفعل منذ الاستقلال في ظل وضع سياسي مرتبك كسب أخيرا رهانه في رصد تدبير السياسة المحلية عبر محطات تعمد فيها الإصرار على صناعة القرار السياسي من بابه الواسع، إلا أن بداية ظهور أعراض الصرع والوصولية بعد تمكينه من الشروط القانونية لعلب أدوار طلائعية في ترسيخ ثقافة التنمية وهذا التحول يفرض علينا كباحثين وكمهتمين أولا وضعه في قفص الاتهام ثم التصويب مجهر التقصي والسؤال! فكيف يمكن تفسير هذه الظاهرة الغريبة؟
قد تكون هذه الاستعارة المجازية لداء الصرع في وصف حالة المجتمع المدني في المغرب تشترط جرأة سياسية قوية فريدة في تناول الظاهرة لتفسير حالة التناقض بين التمكين القانوني الدستوري والأداء الميداني الباهت الموشوم بحالة من الارتباك المؤسساتي وفقدان البوصلة التي أصابت هذا القطاع بعد أن تعززت مكانته كشريك في بلورة تنمية مستدامة.
من المستحيل تفسير الظاهرة إلا من خلال تفكيك المشهد، قد تكون ضخامة الأدوار التي جاء بها الدستور الجديد ربما قوية ومفاجئة لعنصر مدني انتقل فجأة من العمل التطوعي البسيط الى الاشراك في التدبير السياسي دون تأهيل مؤسساتي.
اذ فوجئ المجتمع المدني بمهام غير معتاد على ممارستها ومسؤوليات مركبة كمراقبة التدابير عموما، تقديم العرائض، المشاركة في التشريع، تقييم ومراقبة السياسات العمومية دون أن يمتلك بالضرورة المهارات والقدرات التنظيمية وكذا الاستقلالية المالية اللازمة، مما خلق ارتباكا في الأداء.
إن سرعة هذا التحول أجهض كل جهود تعيين هذا المنافس الشرس ربما حدثت صدفة أو عن سبق إصرار وترصد من جهات اخرى، كما أن تراكم تحديات شابت مجال التكوين والتأطير واللوجستيك والدعم المالي أحدثت فراغا مؤسساتيا مثبطا كافيا ليصبح لقمة سهلة أمام إغراءات سياسية قادرة على قلب الموازين وتشويه نبل مهامه الفضلى باستغلاله كأذرع لدكاكين انتخابية.
في هذا السياق غابت أدوار الكائن الجديد ليساهم بإرادة ورغبة في انتعاش الفساد وانتشار الأورام السياسية بعد دفن وظيفته الرقابية وتخليه عن جوهر المهمة التي جاء من اجلها، ويتسلم من المانح بطرق متربصة مهماته المبتذلة لتوكل اليه الة الترافع عن قرارات سلطوية اختلط فيها المدني بالسياسي، هكذا يتجلى للمتتبع بجلاء الالتباس ومسخ الأدوار الحقيقية ونوبات الصرع اتجاه قضايا اجتماعية شائكة.
مؤكد أن لعنصر التمويل له حظه الوفير في تكريس ريع جمعوي قاتل اعتمادا على دعم عمومي أصبح مشروطا بقتل استقلاليته والاجهاز على تلك الأدوار الدستورية المسطرة بانحراف متعمد لتهميش قضايا القرب الحقيقية ليظهر نشاطه وبحركة مفرطة مقتصرة فقط على المواسم الانتخابية. هذه الصورة الانتهازية تكشف وتفضح تناقضا بين خطاب كان برفع شعار التغيير وممارسة شاذة خلقت حالة من الانفصام المؤسساتي وأزمة هوية وظيفية.
لم تكن حالة هذا الصرع هذه عرضية، بل تعززت بتضخم عددي لكائنات مفصولة عن الهم المجتمعي ومعزولة ومنغلقة عن المحيط، وظيفتها تكريس الصراع والخلاف في اتجاهات متناقضة مما أصبغ نوع من التشرذم وتشتت المشهد وغياب الفاعلية والروح الوطنية.
لقد ساهمت ظاهرة الصرع هذه في فقدان السيطرة على الوضع بوجود قيادات جمعوية، تنظر الى المؤسسة المدنية كملكية خاصة نهجت استبدادا داخليا وتبنت من خلاله أنماطا شاذة كالوراثة العائلية لتعمر طويلا دون رقيب ولا حسيب وتقف صدا منيعا امام تجديد النخب وتشبيبها وتخنق استدامة الأفكار الجديدة فيتحول العجز في المجتمع المدني خاصية عوض التفاعل مع نبض الشارع، كائنات محسوبة كدفاع عن القواعد لكنها فاقدة للوعي الجمعي المفروض في زمن يتحرك بوثيرة سريعة.
إن استمرار أعراض الصرع هذه هي إيذان بموت سريري للعمل المدني الجاد، ليدفن المواطن ثقته في هذا الجسم المدني بعد ان افتقدها في الجسم السياسي، لكن قد نتسلح بالأمل في اعتبار هذه المرحلة تمهد لولادة قيصرية عسيرة تعيد تشكيل لمخاض فعل مدني مواطن يعود للظهور في كائنات قوية متشابكة متواجدة مجاليا تمارس القرب وتمارس الأدوار المعتمدة كقوة اقتراحية حقيقية.
لا اشك في أن أهمية الفهم الدقيق لهذه الظاهرة في حاجة الى الاسهام لمدارسه الظاهرة بتفكير نقدي حول كيفية التعافي من هذا الورم الخبيث للتأسيس لبيئة سياسية سليمة تنتج النماء أينما حلت وارتحلت.
# متى يبدا ورش التعافي بمعالجة “الأسباب الجذرية لهذا الصرع ” الاستقلالية المالية” “الديمقراطية الداخلية، “الفصل عن الأحزاب”؟
#ام أن هذا “الصرع” حالة هندسية سياسية تعمد التدجين عبر إضعاف وادلال المجتمع المدني؟