عادل عزيزي
أثار انتقال وزير الصحة والحماية الاجتماعية على وجه السرعة إلى مدينة أكادير، مباشرة بعد احتجاجات المواطنين حول تدني الخدمات الصحية، موجة من التساؤلات والانتقادات في صفوف الرأي العام التاوناتي.
فبينما سارعت الوزارة إلى التجاوب مع مطالب ساكنة أكادير، ما تزال احتجاجات ساكنة إقليم تاونات المستمرة منذ سنوات تمر دون صدى أو استجابة عملية، في مشهد اعتبره كثيرون شكلا من أشكال التمييز في تدبير الشأن الصحي بين الأقاليم، و حتى بين المواطنين.
في تاونات، احتجاجات الساكنة على سوء الخدمات الصحية أصبحت أصبحت أمرا روتينيا، وعادة أسبوعية محفوظة، لا تحتاج لإعلان مسبق. المستشفيات هنا..
ليست فقط بلا أطباء..
بل بلا حتى الحد الأدنى من شروط “التطبيب”..
مستشفى بلا أطباء..
أسرة بلا فرش..
مستعجلات بلا ضمادات “فاصمة”..
بلا ماسك اوكسجين..
بلا خيوط لضمد الجروح..
بلا دوا حمر، بلا.. بلا..
.. ومرضى بلا تطبيب..
ومع ذلك، لم يتحرك الوزير ولو بخطوة صغيرة، ربما لأن تاونات لا تصدر صورا براقة على التلفزة، ولا تجلب عناوين مشتعلة على الجرائد الكبرى، و ربما ليس لها صوت مؤثر بمركز القرار بالرباط.
المضحك المبكي أن وزارة الصحة تتعامل مع الاحتجاجات مثلما يتعامل بعض الآباء مع أبنائهم، الطفل الذي يصرخ أكثر يعطى قطعة الحلوى، بينما الطفل الصبور في زاويته يترك جائعا.
أكادير صرخت، فجاء الوزير راكضا، تاونات صبرت صرخت وصرخت و صرخت، فتمت مكافأتها بالتجاهل و اللا مبالاة.
ولكي نكون منصفين، ربما الوزير لا يعرف أصلا أن تاونات موجودة على الخريطة، لأنه لا يعرف في الجغرافية فتخصصه في الماكياج، لهذا قد يعتقد أنها مجرد أسطورة تتداولها كتب التاريخ، “كان يا مكان، إقليم اسمه تاونات، أهله عاشوا طويلا بلا طريق، بلا شغل، مستشفيات، بلا تنمية بلا اهتمام”.
ساكنة تاونات جربت كل شيء، مراسلات، وقفات، شكاوى، مسيرات، وحتى الصراخ أمام باب العمالة وباب مندوبية الصحة و باب المستشفى الإقليمي وابواب المراكز الصحية.
لكن يبدو أن الحل الوحيد هو أن يستوردوا من أكادير وصفة “الاحتجاج الناجع”، تنظيم مسيرات أمام مقر الوزارة في الرباط، أو ربما بث مباشر على الفيسبوك مع عنوان مثير، “مواطن يموت مباشرة على الهواء.. تاونات لا طبيب لا مستشفى!”
الوزير، حين طار إلى أكادير، أثبت أن الاستجابة السريعة ممكنة، لكن فقط حين تكون المدينة مؤثرة سياسيا واقتصاديا، أو أن يكون رئيس جماعتها هو رئيس الحكومة نفسه.
أما تاونات، فهي إقليم
بلا كاميرات..
بلا ضغط سياسي..
بلا زعامة سياسية..
بلا مسؤولين..
لذلك تظل في خانة، انتظرونا في المواسم المقبلة، عسى أن يصلكم بعض بقايا الاصلاح..!
في الختام، لم يعد أمام ساكنة تاونات سوى خيار واحد، أن يطالبوا بتحويل الإقليم إلى شاطئ سياحي، أو على الأقل إلى مدينة ساحلية افتراضية على خرائط غوغل.
أو أن يستلفوا وزيرا من إحدى شركات اخنوش..
فربما حينها فقط سيكتشف الوزير الطريق إليهم، ويأتي مسرعا بنفس الطائرة التي حملته إلى أكادير.
هذا الواقع يعكس فجوة واضحة بين المبادئ الدستورية التي تكفل الحق في الصحة والمساواة، وبين التنفيذ العملي، حيث تظل مناطق الهامش مثل تاونات تدفع ثمن التفاوتات المجالية والسياسية. ويبقى السؤال المطروح، هل ستظل السياسات الصحية رهينة التدخل الانتقائي، أم حان الوقت لتبني رؤية وطنية شاملة تضمن الحق في الصحة لكل المواطنين دون استثناء؟