مصطفى تويرتو
في جغرافيا السياسة، لا شيء يبقى على حاله. هناك من يحفر خندقًا لغيره، فيجد نفسه وقد سقط فيه، وهناك من يظن أن خططه المحكمة ستحكم الحلبة، لكنها تتحول إلى قيود تلتفّ من حوله. هذا تمامًا ما يشبه ما حدث في العلاقة بين الجزائر والمغرب، حين أرادت الأولى أن ترسم خريطة المنطقة على مقاس نواياها، فانقلب المشهد رأسًا على عقب.
منذ عقود، حملت الجزائر على عاتقها مشروع دعم الانفصال في الصحراء المغربية، واعتبرته مسألة مبدأ أو تصفية استعمار، لكن خلف هذا الشعار، كان هناك هاجس عميق منع المغرب من التمدد جنوبًا، وقطع شرايينه مع عمقه الإفريقي. كان الهدف المعلن شيئًا، والنية المدفونة شيئًا آخر.
لكن ما لم تحسبه الجزائر، هو أن التاريخ لا يُكتب بخيوط المؤامرات وحدها، بل بتبدلات الواقع. شاءت الأقدار، أو لِنقل منطق التحولات الإقليمية، أن تنقلب الدائرة. فإذا بالمغرب يعزز حضوره الإفريقي اقتصاديًا ودبلوماسيًا، ويقيم شراكات قوية في غرب القارة ووسطها، بل ويستعيد مقعده المؤثر في الاتحاد الإفريقي. وفي المقابل، تجد الجزائر نفسها تعاني عزلة كبيرة، بعدما كانت تظن أنها تمسك بخيوط اللعبة.
هكذا، تحول مشروع الحصار إلى طوق يشتدّ على صانعه. وتحولت الأداة التي خُيِّل أنها ستُضعف الخصم، إلى عبء ثقيل على كاهل من استخدمها. أما المغرب، فقد استوعب اللعبة، فركز على العمل الصامت، والاستثمار الذكي في الزمن الطويل، وترك الآخرين يركضون خلف صراعات استنزافية.