تاونات.. ساكنة تائهة وإقليم ممزق! 

عادل عزيزي

هل تعلم أن البطريق يعدّ من الطيور لكنه لا يطير، وبالرغم من أنه يعيش في المحيط المتجمّد إلا أنه لا يحظى بالفرو، فيكاد يكون الكائن الوحيد في المحيط المتجمد الذي يمشي عارياً على الجليد، هذا الطائر المسكين إذا وقف على الشاطئ أكلته الفقمة، وإذا نزل في الماء أكله القرش، وإذا ضاع على الجليد أكله الدب.

نعم أستطيع القول إنه أكثر مخلوق تائه في الكون – بعد المواطن التاوناتي طبعاً – لا هو يمشي على اثنتين ولا يمشي على أربع، محتار بين البياض والسواد، اسمه طائر لكنه لا يطير، لا يستطيع العيش في الماء ولا البقاء في اليابسة، هو  بين في كل شيء.. عن طائر البطريق أتحدّث، و ليس عن المواطن التاوناتي.

هل مطلوب من المواطن التاوناتي أن يعيش طوال حياته في سجن كبير يركض ويلهث.. يبحث عن لقمة الخبز اليابسة ليعيش خائفا ومرعوبا من المتنفذين، ومحروما من حقوقه، وأن يعيش في نشوة الخداع من طرف مسؤوليه، وأن يقنع نفسه بأنه ينعم في بحبوحة من العيش والكرامة والخير؟

سيقول البعض، أنني أجلد الذّات، وأزوّر التاريخ، وحقًا أنا كذلك، حيث إنه ليس هناك ما يستحق أن نفخر به، سنوات عدّيدة ونحن طبول يقرع عليها السياسيون والمسؤولون، كنا مجرد أدوات لإقليم عاش فيه أصحاب النفوذ.

لم نتدوق الحلم الذي حدثونا عنه، غرسوا فينا مفاهيم وثقافة منحرفة عن الهوية الوطنية، التي تميّز جماعة دون أخرى، مزقوا فينا الهوية الجامعة واستبدلوها بالهويات الصغيرة التي تمنحهم الصلاحيات والمميّزات ” جبلي، حياني، شركي..” وتضمن لهم البقاء حراسًا لأملاكهم التي نحن فيها مجرّد خدم وأرقامًا على الهامش.

أنا لا أندب الحظ، أنا هنا أبكي وأتكلم عن الأرض الذي بداخلك يا صديقي، عن التراب الذي عشقته وتذوقته ، عن البقعة الجغرافية الحصينة التي تعتقد أنها هي الملاذ الأخير لك، وهي حضنك الدافئ الذي لا غنى لك عنها، هل تعرف الموطن الذي في شرايينا ودمائنا؟! هو ذلك الإقليم الذي لا صلة لسياسيينا و مسؤولينا به، هو في عين أمك وقلب أبيك فقط!

كان إقليم تاونات يملك من الثروات ما يكفي لتعيش ساكنته بكرامة، لكنه اليوم ينهب علنًا، وكل طرف يبرر لنفسه هذا النهب.

الأراضي الزراعية صارت للإقطاعيين الجدد، والماء الذي كان مدفونًا في باطن الأرض لم يعد لأهل الأرض، لم يعد هناك شيء ملك التاوناتيين، حتى الأحلام التي وُعدوا بها، كلها سُرقت؟

يتحدثون عن مشاريع واستثمارات ومستقبل، لكن أي مستقبل الذي يتحدثون عنه، بينما الإقليم تفتت من الداخل؟ كيف نتحدث عن الاستقرار بينما الفقر يلتهم كل شيء، والمجتمع يزداد هشاشة، والبطالة أصبحت غولا تهدد الشباب؟

إنها لعبة السياسة القذرة، حيث يصبح المواطن مجرد أرقام، ويكون الجلوس على الكراسي أكثر أهمية من أصوات الأطفال الجائعين، حيث تُكتب البيانات الرسمية بلغة لا تشبه لغة المواطن المقهور.

لذا كلما شاهدت طائر البطريق في الأفلام الوثائقية تنهّدت وقلت له كم تشبهنا يا صديقي.. “قلبك أبيض”.. وظهرك متفحم من الفقر والإقصاء والتهميش.. جناحاك القصيران لا يسعفانك في التحليق، ولا يكفيانك للتجديف من الغرق.. فرص عيشك مرهونة بفتاة الآخرين..

تاونات.. ساكنة تائهة وإقليم ممزق!
التعليقات (0)
اضف تعليق